التأمل اليومي: المواطنة الواعية

"لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ، وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً."(رومية 13: ١-٢)

يُقدِّم الرسول بولس في هذا الأصحاح علاقة المسيحي بالدولة، وعبر العصور ظهرت أربع مدارس توضح علاقة الكنيسة بالدولة:

المدرسة الأولى: الدولة تحكم الكنيسة

المدرسة الثانية: الكنيسة تحكم الدولة

المدرسة الثالثة: المواءمة بين الكنيسة والدولة

المدرسة الرابعة: الدولة والكنيسة شركاء في تنظيم أمور البشر، واعتقد أنَّ الرسول بولس يميل إلى هذه المدرسة.

ويقدم النص فكرتين هما:

الفكرة الأولى: الخضوع الواعي (رومية ١٣: ١)

الكلمة اليونانية "لتخضع" هنا كلمة عسكرية تعني "خضوع الجنود لقادتهم"، ويكونون تحت سلطانهم والفعل جاء في صيغة الأمر المستمر، اما التعبير" كل نفس" يعني "كل انسان". وبالتالي يمكن ترجمة ما قاله الرسول بولس: "كل انسان مسيحي ينبغي أن يضع نفسه باستمرار تحت حكام الدولة"، لكن هل هذا الخضوع مطلقًا؟ هل المسيحي في ذلك الوقت كان يضع نفسه تحت حكام الدولة الرومانية دومتيان، نيرون، هيرودس، هتلر؟

بكل تأكيد لا، لأن الرسول بولس كان يؤكد على فكرة الخضوع السلطة كمفهوم لفكرة الله من وجود السلطة، لكن إذا تعارض سلوك رجال السلطة مع قيم الله كالعدل، والصلاح فينبغي إطاعة الله أكثر من الناس.

الفكرة الثانية: السلطة نظام إلهي (رومية ١٣: ١-٢)

يستخدم  عبارات قوية يؤكد من خلالها أنَّ وجود سلطة ضابطة هي من ارادة الله فيقول: "لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ الله" وحرف الجر "لأن" يستخدمه الرسول بولس ليوضح سبب خضوع كل رجل للسلطة، والكلمة "من الله" حرفيا تعني" بواسطة الله" أي أن الله انشا هذه السلطة ويقول أيضًا: "وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ" والكلمة اليونانية "مرتبة" جاءت بمعني "يعين، تنصيب ورسامة" وهي ذات الكلمة التي تستخدم عند تنصب خادم للكنيسة وهذا يدل أن تنصيب ملك أو سلطان ليس بالأمر العفوي لأن تاريخ البشرية داخل في أجندة الله، وكل حركات التاريخ تحت سلطان الله.


طباعة