القائمة الرئيسية

ابحث في الموقع

التسجيل

عدد الزائرين

free counters
 

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 18 زائر متصل
الرئيسية عظات وتأملات عظات الحرية في الفكر المسيحي

الحرية في الفكر المسيحي

النص الكتابي : (يو8: 32- 36)

 

"وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ» ... إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ... فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا"...

(غلا5: 13- 15)"فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا دُعِيتُمْ لِلْحُرِّيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ. غَيْرَ أَنَّهُ لاَ تُصَيِّرُوا الْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ، بَلْ بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا.

     يؤكد الفكر المسيحي على مبدأ حرية الإنسان، فهذه حقيقة ساطعة كالشمس على صفحات الوحي المقدس. والإنسان بطبيعته يبتغي دواماً أن يكون حراً طليقاً، ويكره بشدة أن يكون سجيناً ويردد مع الشاعر قول الطائر المحبوس في قفص من ذهب :

الحبس ليس مذهبي      وليـس فيـه طـربــي

ولست أرَضى قفصاً      وإن يكــن من ذهب

   ولما كانت الحرية مطلباً للإنسانية لذا  كانت الحرية هي جوهر رسالة المسيح التي نادى بها، في مستهل خدمته بندائه: " رُوحُ الرَّبِّعَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَالْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِبِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ"(لو4: 18).

ولنا في هذا الموضوع الأفكار الآتية :-

أولاً: الحرية إحتياج إنساني :

    نعم! الإنسان يحتاج إلى مساحة من الحرية تعاونه لتكون له الشخصية الناضجة المتزنة المستقلة، وتساعده ليشق طريقه في الحياة بما يتفق مع مواهبه وإمكانياته وقدراته، وفي نفس الوقت يحتاج إلى ضوابط ليسلك في  الطريق الصحيح السليم. 

والدارس لكلمة الله يجد أن الإنسان في حاجة ماسة إلى الحرية من أمور كثيرة أذكر منها الآتي:

1. الحرية من عبودية الخطية والشهوات:

      قال الرب يسوع "  كُلَّ مَنْ يَعْمَلُالْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ... "(يو8: 34).

إن الإنسان تحت سيادة الخطية لا يعرف مذاق الحرية على الإطلاق، لأنه يسيء إستخدام الحرية لهذا ترسم لنا ريشة الوحي المقدس المرأة السامريه تذهب إلى البئر يومياً لتأخذ من ميائه دون أن ترتوي ولم تعرف معنى الإرتواء ولم تختبر الحرية الحقيقية إلا بعد قبولها الرب فمَنْ يَشْرَبُ من مياه العالم يَعْطَشُ أَيْضًافمياه العالم مالحة شاربها يزداد عطشا هكذا مَنْ يعيش في الخطيةإنه يتصرف في إطارها، ويخضع لسلطانها.

عندما قال الرب يسوع:" أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَبِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى" (يو10: 9)فسر كثيرون أن هذا البابهو "باب الحرية" ذلك لأن الرب يسوع قال: " إِنْ دَخَلَبِي أَحَدٌ "يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ" أي يكون حراً في دخوله وخروجه وهذا صحيح، ولكن يسبق الحرية الخلاص فمكتوب :"  إِنْ دَخَلَبِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ" ثم بعد ذلك يختبر قيمة الحرية.

نعم! إن المؤمن وقد تحرر من سيادة الخطية لهذا فهو يعيش الحرية بمعنى الكلمة كما هو مكتوب :"فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُفَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا." (يو8: 36).

    إن الإنسان تحت سيادة نعمة الله قد صارت له الحرية للتصرف والاختيار، وإتخاذ القرار، ولا شك أن ميوله هي لطاعة الله وعمل رضاه ، ولكنه إن أخطأ، فالخطأ هنا نتيجة حريته، ولعل هذا هو السبب في أن المؤمن يصارع دائماً مغريات الخطية والشر ويحاول أن ينتصر عليها لأن له من الروح القدس ما يرشده، وله من شعوره بالبنوة ما يجعله يشعر بالإلتزام والمسئولية ، وله من كلمة الله ما يجعله يسلك في ضوء تعاليمه ومبادئه.

ولهذا يقول الرسول بولس " فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِالَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا" (غلا5: 1).

2. الحرية من الأوهام والخرافات :  

    يوجد البعض من الناس البسطاء يعيشون تحت عبودية الأوهام والخيالات والخرافات الشائعة، لذلك نجدهم يلجأون إلى أعمال السحر والشعوذة، والأحجبة، والتعاويذ، وقراءة الكف، وقراءة الفنجان، وفتح الكتاب، وهناك البعض مقيد بقيود الخوف من الحسد والسحر.

    هذا وهناك مَنْ هو أسير لأمور يتفائل بها، وأمور يتشائم منها إلى غير ذلك من أعمال يعتمد فيها الإنسان الخاطئ على القوى الغيبية في تحقيق بعض إحتياجاته دون إستخدام العقل والفكر الذي أعطاه الله أياه.

إن مَنْ يؤمن بالخرافات يدلل على ضعف ثقته بالله، ومَنْ يخاف من المجهول يبرهن على عدم إيمانه بالله، إن السر في معظم المخاوف هي في العقول التي أصبحت تتعلق بالخرافات والأوهام أكثر من تعلقها بالله .

   إن الرب لا يسمح لشعبه بمثل هذه الأفعال فيقول لهم في (تث18: 10- 14) " لاَ يُوجَدْ فِيكَ ... مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً، وَلاَعَائِفٌ وَلاَ مُتَفَائِلٌ وَلاَ سَاحِرٌ،وَلاَمَنْ يَرْقِي رُقْيَةً، وَلاَ مَنْ يَسْأَلُ جَانًّا أَوْ تَابِعَةً، وَلاَ مَنْيَسْتَشِيرُ الْمَوْتَى. لأَنَّ كُلَّمَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ."

   إن التاريخ يحكي لنا عن شعوب كثيرة تم إستعبادها بسبب جهلها، وما أكثر الناس الذين بسبب جهلهم يستعبدون أنفسهم للغير ويخضعون لسلطانهم ...

كيف لا! أليس مكتوب سُبِيَ شَعْبِي لِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ، (أش5: 13 )  و " قَدْ هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِالْمَعْرِفَةِ."(هو4: 6) إلى كل هؤلاء يقول الرب يسوع "وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ"(يو8: 32).

وهنا نجد الرب يسوع يدعونا إلى الحرية عن طريق إمتلاء قلوبنا وعقولنا وإرادتنا بشخصه وكلامه، وأن نكون حقاً تلاميذه، وأن نعرفه معرفة إختباريه حقيقية "لأنه هُوَالطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ " (يو14: 6).

3. الحرية من التقاليد والعادات :

    يقول الرسول بولس في (رو12: 2) " وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ،بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَاهِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ" وهذه الكلمات معناها القريب هو أننا لا يجب أن نشابه أهل العالم، أما المعنى الآخر هو أننا لا يجب أن نجعل العالم يشكلنا أو يضعنا في قوالب معينة.

   على سبيل المثال في العادات السلبية الخاصة بطقوس مناسبات الأحزان والأفراح ، و الأساليب الرجعية التي تنتهك حقوق المرأة بصفة عامة بحجة العادات والتقاليد إلى غير ذلك.

   كم من أناس تستعبدهم تقاليد مألوفة، وعادات موروثة، ولا يستطيعون الفكاك والفرار منها، وتضع العادات الإنسان في سجن يتعود عليه للدرجة التي تفقده الإحساس بحاجته إلى التغيير، وتجعله يشعر بأنه (ليس في الإمكان أفضل مما كان)، والمسيحية تفتح الطريق أمام الناس للتحرر من مثل هذه العادات البالية.

فيقول الرسول بولس في (1كو2: 15) "وَأَمَّاالرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لاَيُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَد"ٍ.  وفي (1كو4: 4) يقول " الَّذِي يَحْكُمُ فِيَّ هُوَ الرَّبُّ".وفي (كو2: 16، 17، 20) "فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِيأَكْل أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ،الَّتِي هِيَ ظِلُّ الأُمُورِالْعَتِيدَةِ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَلِلْمَسِيحِ.... إِذًا إِنْ كُنْتُمْ قَدْ مُتُّمْ مَعَالْمَسِيحِ عَنْ أَرْكَانِ الْعَالَمِ، فَلِمَاذَا كَأَنَّكُمْ عَائِشُونَ فِيالْعَالَمِ؟ تُفْرَضُ عَلَيْكُمْ فَرَائِضُ".

ثانياً: حدود أو قيود الحرية المسيحية:

يخطئ مَنْ يظن أن الحرية المسيحية بلا ضوابط وبلا قيود، فلا توجد على سطح الأرض حرية (مطلقة) بلا قيود وبلا سقف والجدير بالذكر أن البعض يشبّه الحرية المسيحية :

إنها كالقضبان بالنسبة لقطار السكة الحديد، لا يتحرك القطار إلا في حدود القضبان.

أو إنها كالماء بالنسبة للسمك... له أن يسبح كيفما يشاء حتى ولو ضد التيار، لكن المهم لا يخرج من الماء وإلا يتعرض للموت.

إن حدود الحرية المسيحية هي بمثابة النور الذي يكشف للإنسان مواقع الخطر ليتجنبها، ومواطن الخير ليسلك فيها.

حقاً! للحرية المسيحية بعض القيود أو الحدود أو الضوابط أذكر منها الآتي:

1. الحرية وقيد المسئولية:

     ولأن الإنسان حر فهو مدعو للتفكير العقلاني المنطقي، ويختار بكل حرية ما يقوده إليه تفكيره ، متحملاً في ذلك مسئولية إختياره، وتبلغ حرية الإنسان مداها في قبوله أو رفضه للإيمان بالله وطاعته وعبادته، فالله يوجه الدعوة للإنسان، والإنسان من حقه أن يقبل أو يرفض، ولكن عليه أن يتحمل مسئولية قراراته التي يتخذها بحرية كاملة في تقرير مصيره فالله يعرض ولا يفرض فيقول في (تث11: 26- 28) "أَنَا وَاضِعٌ أَمَامَكُمُالْيَوْمَ بَرَكَةً وَلَعْنَةً: الْبَرَكَةُإِذَا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَاالْيَوْمَ. وَاللَّعْنَةُ إِذَا لَمْتَسْمَعُوا لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمْ، وَزُغْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِيأَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِتَذْهَبُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْتَعْرِفُوهَا "ويقول في (تث30: 15و 19) "اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَقُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ، قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَوَنَسْلُكَ،". ويقول في (أش1: 19- 20) " إِنْشِئْتُمْ وَسَمِعْتُمْ تَأْكُلُونَ خَيْرَ الأَرْضِ. وَإِنْأَبَيْتُمْ وَتَمَرَّدْتُمْ تُؤْكَلُونَ بِالسَّيْفِ». لأَنَّ فَمَ الرَّبِّتَكَلَّمَ".

وقديماً وقف يشوع وقال للشعب " فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ: (يش24: 15).

   ويقول الرب يسوع لمَنْ يريد إتباعه:" إِنْ أَرَادَأَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّيَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي".(لو9: 23) وتصور ريشة الوحي المقدس صورة بديعة الجمال لإحترام الله لإرادة الإنسان فيما سجله يوحنا في سفر الرؤيا عندما قال:" هنَذَاوَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَالْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي".(رؤ3: 20).

إن الله أعطى الإرادة الحرة للإنسان حتى وإن إستخدم الإنسان هذه الحرية في رفض الله أو الإيمان به ... لكنها حرية مسئولة. 

2.الحرية وقيد التعايش مع الآخر:

     الحرية تعني الإقرار بوجود آخر يختلف عني ومعي، وله الحق في أن يعيش الحرية مثلي تماماً، ولابد أن ندرك أن الإختلاف لا يجب أن يصنع خلافاً ونزاعاً مع الآخر، وإنما الإختلاف بركة وثراء، فباقة الورود المتعددة الألوان في تناسق وتناغم أجمل بما لا يقارن من باقة الورود ذات اللون الواحد، والسيمفونية التي يقدمها مجموعة من العازفين على آلات موسيقية متنوعة أرق وأرقي بما لا يقاس من السيمفونية التي تقدمها فرقة بآلة  موسيقية واحدة.

   لقد كان التلاميذ خليطاً عجيباً من البشر فبطرس وأندراوس طبيعتهما عكس بعضهما، ويوحنا الواثق على النقيض من توما الشكاك، ومتى العشار الذي باع نفسه للرومان يختلف عن سمعان القانوي أو الغيور المتعصب لدينه وقوميته وهكذا، إنهم مجموعة متباينة رأي يسوع في اختلافهم غنى، لأن كل واحد منهم يستطيع أن يقدم خدمة مختلفة، عن الآخر ولكنهم في النهاية يكملون ويجملون بعضهم البعض، يعيشون الجهاد والضعف، ويخطئون ويصيبون وهذا هو حال الكنيسة في كل زمان ومكان .

      الحرية تعني حق الإختلاف مع الآخر في فكره ورأيه، فالحرية تعطيني الحق في إعتناق ما أشاء من أفكار ومعتقدات، والحرية تعطيني الحق في التعبير عن آرائي، لكن الحرية لا تعطيني الحق أبداً في أن أسخر أو أزدري أو أستخف أو أقلل من معتقد ومن رأي الآخر .

  كان الرب يسوع يتمتع بقلب محب كبير بلا جدران يتسع لكل إنسان مهما كان فكره أو دينه أو جنسه، فيحكي لنا البشير لوقا في (9: 51- 56) عندما رفض أهل السامره قبول يسوع فطلب يعقوب ويوحنا أن تنزل نار من السماء فتفنيهم "عندئذ انْتَهَرَهُمَاوَقَالَ لها :«لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا!"(لو9: 55).

   لقد كان التلميذان أشد تعصباً من السامرين، فالمتعصب يحاول إبادة كل مَنْ يختلف معه في الفكر أو الدين، لكن الرب يسوع رفض قتل المختلفين عنهم دينياً وفكرياً إيماناً منه بحق أي إنسان أن يعتنق ما يشاء، وإعتقاداً منه بأن حق الإختلاف هو شيء طبيعي حيثما وُجد البشر. وأيضاً وضع الرب يسوع قاعدة ذهبية في المعاملات الإنسانية فقال:" فَكُلُّ مَاتُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًابِهِمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ"(مت7: 12).

وترسم ريشة الوحي المقدس صورة بديعة الجمال للتسامح في مثل الزارع الذي زرع حنطة في حقله ثم جاء العدو والناس نيام وزرع زواناً في وسط الحنطة، ولما كان من الصعب إجتثاث الزوان لأن الزرع كله يكون معرضاً للخطر ... وعندما سئل صاحب الحقل عن الحل أجاب قائلاً:"دَعُوهُمَايَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعًا إِلَى الْحَصَادِ، وَفِي وَقْتِ الْحَصَادِ أَقُولُلِلْحَصَّادِينَ: اجْمَعُوا أَوَّلاً الزَّوَانَ وَاحْزِمُوهُ حُزَمًا لِيُحْرَقَ،وَأَمَّا الْحِنْطَةَ فَاجْمَعُوهَا إِلَى مَخْزَني".(مت13: 30).

  من المؤسف والمخجل أن هناك مَنْ يؤصلون لرفض الآخر ويؤكدون على كراهيته ويظنون أنهم بهذا الأسلوب إنما يتقربون إلى الله بل ويقدمون خدمة لله وكأن الله يحب مَنْ يكره أخيه في الإنسانية.

نحتاج أن يكون لنا قلب المسيح الكبير الذي يحب الجميع ويحتمل ويتسع للكل.

    كم كان الرسول بولس أكثر من رائع عندما دخل إلى أَرِيُوسَ بَاغُوسَمعقل الأصنام ... لم يهاجمهم ولم يسخر منهم، ولكنه بالعكس إتخذ من المشهد الذي رآه مدخلاً للحديث معهم، وإستشهد بكلام شعرائهم في كلامه، فبدأ الحديث معهم قائلاً: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِوِيُّونَ! أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّوَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا ... لأَنَّنِيبَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضًامَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ:«لإِلهٍ مَجْهُول». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُوَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ. الإِلهُالَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِوَالأَرْضِ، لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي،... لأَنَّنَا بِهِنَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ. "(أع17: 22،23، 24، 28).

هذا والحرية لا تعطينا الحق في الإنفراد بإتخاذ القرار بل تدربنا على العمل بروح الفريق الواحد،  وإعطاء الآخر الفرصة  للمشاركة في صناعة وصياغة القرار، وهذا ما يجب أن نمارسه أولاً في محيط الأسرة  وفي كل موقع نتواجد فيه.

3. الحرية وقيد الثمن والضريبة:

    إن الذي يحصل على جنسية دولة معينة له أن يتمتع بإمتيازاتها مثل الأمن والحرية والمساواة والعدالة الإجتماعية والديمقراطية التعليم و التأمين الصحي ... الخ ولكن عليه أن يقوم بأداء واجباته مثل أداء الخدمة العسكرية ودفع الضرائب والخضوع للسلطات والإلتزام بتنفيذ القوانين. هكذا مَنْ يريد أن يعيش الحرية المسيحية عليه أن يلتزم بدفع ضريبة الحياة المسيحية التي ينتمي إليها ويرتبط بها .

    جاء أحدهم إلى الرب يسوع وقال له: " أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي". فقال له:" لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ، وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّاابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ".(لو9: 57، 58). ولم يكن يسوع يقصد بالتعبير " لَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" الفقر أو الإحتياج وإنما كان يعني أنه لم يكن له أن يهدأ أو يستريح قبل تكميل رسالته فلقد كانت أمام يسوع رؤيا عليه أن يتممها.

نعم! إن يسوع لم يهدأ ولم يسترح إلا بعد أن قال على الصليب "قَدْ أُكْمِلَ"... أكمل الحب ... أكمل الخلاص ... أكمل الفداء ... أكمل السعي الإلهي ... أكمل القصد الأزلي  ثم َنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ وكلمة " َنَكَّسَ " هنا هي نفس كلمة (أسند) أي أن يسوع لم يجد راحته إلا على الصليب بعد أن أكمل مهمته وإرساليته.  

هكذا علينا أن ندرك أن حريتنا المسيحية مقترنة بصليب، فللحرية ثمن ولإيماننا المسيحي ضريبة فمكتوب :" وُهِبَ لَكُمْلأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْتَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ" (في1: 29)

4. الحرية وقيد الفكر والذوق المسيحي :

      يحدثنا الرسول بولس في (1كو6: 12) قائلاً :" كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي»، لكِنْلَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي»، لكِنْ لاَيَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ." وفي (1كو10: 23) يقول : «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي»، وَلكِنْلَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَبْنِي."

من هذا النص نتعلم أن الحرية المسيحية تدربنا أن تكون إختياراتنا وقراراتنا من منطلق فكر وذوق مسيحي، فالحرية المسيحية لا تدفع المسيحي لكي يخطئ لإحساسه بالحرية بل ليكون ذلك الشخص الذي قد صار بنعمة الله حراً لكي لا يخطئ.   

ويقول الرسول بولس في (رو6: 13، 16، 18- 20)"أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ: إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْلِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟...وَإِذْأُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ.... لأَنَّهُ كَمَا قَدَّمْتُمْأَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلإِثْمِ، هكَذَا الآنَ قَدِّمُواأَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَةِ. لأَنَّكُمْلَمَّا كُنْتُمْ عَبِيدَ الْخَطِيَّةِ، كُنْتُمْ أَحْرَارًا مِنَ الْبِرِّ."

   المسيحية ليست ديانة ناموسية أي ليست مجموعة من الأوامر والنواهي (أفعل هذا ولا تفعل ذاك) ولا يوجد بها قائمة بالحلال وقائمة بالحرام، بل هي ديانة العلاقة مع الله والسلوك بإرشاد روح الله القدوس "لأَنَّكُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ.  (رو8: 14) وفي ضوء هذه العلاقة نتخذ مبادئنا وتصرفاتنا ... لا يفرضها علينا إنسان ولكننا نختارها بأنفسنا.

  إن الحرية التي يعطيها لنا الرب يسوع هي حرية الأبناء، هكذا قال لتلاميذه:" لاَ أَعُودُأُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، بل أَحِبَّاءَ " (يو15: 15) "فالَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَاللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ)."يو1: 12) وقيل عن الحرية التي يعطينا لنا وينقلنا إليها هي " حُرِّيَّةِمَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ)."  رو8: 21) وهذا معناه أنه شتان الفرق بين حرية الأبناء وحرية العبيد فالعبد لا يعرف مشيئة سيده إلا ما أراد السيد أن يعلنه له وهو يعلن له هذه المشيئة في صورة أوامر ونواه ... وهذا هو الناموس سلسلة طويلة من الأوامر والنواهي وعلى العبد أن ينفذها.

  لكن موقف الابن يختلف عن ذلك تماماً، إنه يعيش في جو الشركة مع الآب ومع الأخوة، وهناك روابط تربطه بالأسرة تختلف عن روابط العبد بالبيت، إن اسمه وسمعته ومستقبله مرتبط باسم وسمعة ومستقبل كل الأسرة، وسلوكه بالتالي مبني على مفهوم الشركة والمصلحة العليا، إن الشريعة ليست معطاة له من الخارج... إنها مكتوبة في داخله في قلبه وحياته هذا هو وعد الله لشعبه كما جاء في (ارميا31: 33، 34) " يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُلَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا".

ولعل هذا هو المعنى الذي قصده الرسول بولس عندما قال: " لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِبِغِنىً" (كو3: 16).

هذه هي الحرية من حرفية الناموس لأن الناموس يصير داخلنا وليس خارجنا، والطاعة هنا إلتزام وليست أوامر خارجية. لأنها حُرِّيَّةِمَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ هذا هو الفكر المسيحي الذي يجب أن يملك على أفكارنا ويحرك سلوكنا. 

هذه هي الحرية التي تتوقف على تقديرنا للأمور بذوق مسيحي فتأتي قراراتنا متناغمة ومتناسقة مع مشيئة الآب.

نعم! ما أحوجنا أن تكون صلاتنا " ذَوْقًا صَالِحًا ً عَلِّمْنِي"(مز119: 66).

    يحكي لنا الكتاب في (مت12: 1، 2)" فِي دلِكَ الْوَقْتِ ذَهَبَ يَسُوعُ فِيالسَّبْتِ بَيْنَ الزُّرُوعِ، فَجَاعَ تَلاَمِيذُهُ وَابْتَدَأُوا يَقْطِفُونَسَنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ. فَالْفَرِّيسِيُّونَلَمَّا نَظَرُوا قَالُوا لَهُ:«هُوَذَا تَلاَمِيذُكَ يَفْعَلُونَ مَا لاَ يَحِلُّفِعْلُهُ فِي السَّبْتِ!"وهنا حدثهم الرب يسوع مذكراً إياهم بما فعله داود حين جاع هو والذين كانوا معه (مت12: 3، 4) "فَقَالَلَهُمْ:«أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَمَعَهُ؟ كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللهِ وَأَكَلَخُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لَهُ وَلاَ لِلَّذِينَمَعَهُ، بَلْ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ."

  عندما شفى المسيح صاحب اليد اليابسة يوم السبت وتذمر الفريسيون  قَالَلَهُمْ:«أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ سَقَطَهذَا فِي السَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ، أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟فَالإِنْسَانُ كَمْ هُوَ أَفْضَلُمِنَ الْخَرُوفِ! إِذًا يَحِلُّ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي السُّبُوتِ!"(مت12: 11، 12).

فما أراد المسيح أن يثبته هو أن الإنسان أهم من الشريعة لأن الإنسان هو هدف الشريعة.

    لقد وُضعت الشريعة في العهد القديم من أجل الإنسان ثم جعل الإنسان منها هدفاً والإنسان وسيلة، وبذلك ضاعت القيم الحقيقية.

  لقد قال الرب يسوع في (مر2: 27) "السَّبْتُإِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ".

5. الحرية وقيد المحبة الغير مشروطة :

    يسطر الرسول بولس في (1كو9: 19) قائلاً : " فَإِنِّيإِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَالأَكْثَرِين".وفي (غلا5: 13- 15) يقول :" فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا دُعِيتُمْلِلْحُرِّيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ ... بَلْ بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْبَعْضًا.  لأَنَّ كُلَّ النَّامُوسِ فِيكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُكْمَلُ:«تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ".

وهنا يؤكد الرسول بولس على التزامنا من نحو إخوتنا في البشرية، أي نعم! نحن أحرار إلا أن حريتنا هي تلك التي تحب للقريب ما تحب لنفسها، والمسيحي هو الذي يعيش فكر المسيح فيتحرر من الذات والأنا حتى يحب قريبه كنفسه ذاك الذي سجل عنه الوحي أنه عندما جاء أحدهم وسأله عن طريق الحياة "َنَظَرَ إِلَيْهِوَأَحَبَّهُ"(مر10: 21).

    ولما تضرع إليه مريض بالبرص مكتوب:" َمَدَّ يَدَهُوَلَمَسَهُ"(مر1: 41). ويسجل عنه الوحي أنه " َكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ الْمُدُنَكُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِالْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ. وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَرَاعِيَ لَهَا."

لقد جعل الرسول نفسه خادماً لإخوته، مقتدياً بالمسيح الذي لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَنَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ"(مر10: 45).

هكذا رأينا بولس يطلق على نفسه لقب " الأب" بالنسبة للذين يخدمهم دلالة إهتمامه وعنايته

بهم فنسمعه يقول لأهل تسالونيكي "كَمَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ كُنَّانَعِظُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ كَالأَبِ لأَوْلاَدِهِ، وَنُشَجِّعُكُمْ،"(1تس2: 11)، ويقول في خدمته في أفسس " الَّذِيفِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِمُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. (أف2: 21).

لقد كان بوحي يتوحد مع الشعب الذي يخدمه فيقول في (2كو11: 29) " مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَأَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟"  وفي ترجمة حديثة " مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَأَضْعُفُ معه؟ ... و مَنْ يقع في الخطية وأنا لا أضيق من الحزن عليه.

إن الإنسان المسيحي الذي مات مع المسيح وقام لا يعرف إلا أن يعيش حياة البذل والتضحية، وقد تصل التضحية إلى درجة الموت فمَنْ الذي دفع الشهداء في العصور المسيحية الأولى للإستشهاد سوى قناعتهم بإيمانهم المسيحي، وقبلوا أن يضحوا بحياتهم.

    لم تكن هناك أية ضغوط أو قيود على لليان تراشر سوى قيد المحبة غير المشروطة لتترك خطيبها الذي أحبته وتترك أمريكا وتنزل إلى صعيد مصر وتعطي حياتها للأطفال الأيتام والفقراء.

   والأم تريزا التي تركت بلادها يوغسلافيا وهي في سن 18سنة ودخلت أحد أديرة الهند وبدأت مشوارها مع الفقراء وبكفاحها أسست منظمة دولية تحمل أسم " إرساليات الخير" لتقديم العون للفقراء والمرضى والمعوقين والمنبوذين في كل أنحاء العالم، لم يقيدها بهذه الرسالة إلا قيد المحبة الغير مشروطة.

نعم! إن واحدة من أول وأهم القيم التي تشكل سلوك الإنسان المسيحي هي إرادة المحبة الحقيقية والرغبة في بناء الآخر، وعدم إعثار الضعفاء فيقول الرسول بولس في (رومية15: 1) " فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُالأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ، وَلاَ نُرْضِيَأَنْفُسَنَا".وفي (غلاطية6: 2) " اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَبَعْضٍ، وَهكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ."

إن الحرية المسيحية تجعلنا نمارس المحبة الغير المشروطة في علاقتنا مع الآخرين كما أحبنا الرب يسوع ... لقد أحبنا ونحن خطاة ... أحبنا ولم يكن فينا شيء يُحب.

ياه! فكم من مرات التي نقتل في أولادنا قيمة الحرية، ووزنة الطموح والإبداع عندما نعبر لهم عن محبتنا المشروطة، فمثلاً نرى الأب يقول لإبنه:" أنا أحبك لأنك مطيع وتسمع الكلام، بدون نقاش أو حوار أو جدال.

   هذا الأسلوب يغرس في الأبناء الخوف من التعبير عن رأيهم بصراحة وحرية، والخوف يعرقل نمو الشخصية، وهو سبب السلبية، وسر النفاق، والدافع للكذب والإلتواء .

6. الحرية وقيد ضبط النفس :

    هناك مَنْ يقول" أنا حر أعمل ما أحب وما أريد" بينما في الحقيقة هو منغمس في عادة أو شهوة أصبح عبداً وأسيراً في قبضتها، لهذا يقول الرسول بولس في (غلا5: 13) " لاَ تُصَيِّرُواالْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ،". ويقول الحكيم في (أم16: 32) " اَلْبَطِيءُ الْغَضَبِ خَيْرٌ مِنَالْجَبَّارِ، وَمَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً".

    شتان الفرق بين الحرية والفوضي، ومن أسف فهناك مَنْ يخلط بينهما فتجده يأتي بأعمال منافية للمبادئ والقيم والأخلاق.

 نعم ! الإنسان حر في أن يعبر عن غضبه لكن دون أن يخطئ، عليه أن يضبط نفسه فالكتاب يعلمنا قائلاً : إغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا...لاَتَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًالِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ"(أف4: 26، 29).

ويقول الرسول يعقوب (يع1: 19) "إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ،لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِيالتَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ".

   تصور لنا عدسة الوحي المقدس ساعة القبض على الرب يسوع أن بطرس َاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَعَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُاليمني  فَقَالَلَهُ يَسُوعُ: لبطرس" رُدَّ سَيْفَكَ "(مت26: 52) وفي نفس الوقت لمس أذن العبد وأبرأها.

بالطبع لا يجب أن نعبر عن غضبنا بإنفعالية وتهور نسيء بها وتجرح الآخر فمكتوب في (رو12: 21) "لاَيَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ."   

كيف لا! وهو الذي علمنا قائلاً " اِحْمِلُوانِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُالْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ".(مت11: 29). هذا ومن ثمر الروح القدس في حياتنا "طول الأناة والوداعة"(غلا5: 22).

نحن مدعوون لحياة الحرية الملتزمة بضبط النفس.

7. الحرية وقيد القدوة والمصداقية :

نعم! الإنسان حر لكنه مقيد بقيد القدوة والمصداقية فالأب أمام الأبناء، والمعلم أمام التلاميذ، والقائد أمام جنوده، الراعي أمام شعبه، والرئيس أمام مرؤوسيه كل واحد له مطلق الحرية أن يفعل ما يشاء ولكن يجب أن يكون قدوة حتى لا يصبح حجر عثرة في طريق غيره، قال أحدهم: " إن الحق يُنقل بالتقليد أكثر مما يُنقل بالتعليم فأعمال المعلم تؤثر في تلاميذه أكثر من أقواله.

  لقد قيل عن الرب يسوع في (مت7: 28، 29) "بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ،
 لأَنَّهُكَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ".وذلك لأن الكتبة كانوا يستمدون سلطانهم من مركزهم المعترف به بإعتبارهم المفسرين لناموس موسى" أي أنه سلطان الوظيفة التي منحوا إياها أما عن تصرفاتهم فيقول يسوع " عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَىجَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ،
 فَكُلُّمَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ، وَلكِنْ حَسَبَأَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ".(مت23: 2و3). أما يسوع فكان يستمد سلطانه من الحق الذي يقدمه ولقد جسد الحق في حياته.

فنقرأ في (أع1: 1) " عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ،".

نعم! إن صوت الأفعال أقوى وأبلغ وأكثر تأثيراً من صوت الكلام. لذلك نصح الرسول بولس تيموثاوس قائلاً له:" كُنْ قُدْوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْكَلاَمِ، فِي التَّصَرُّفِ، فِيالْمَحَبَّةِ، فِي الرُّوحِ، فِي الإِيمَانِ، فِي الطَّهَارَةِ"(1تي4: 12). ونصح تيطس قائلاً: " مُقَدِّمًانَفْسَكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ قُدْوَةً لِلأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ،  " (تي2: 7).

   الحرية المسيحية تهتم بالجوهر أكثر من المظهر، إن الدارس المدقق لحديث الرب يسوع في الموعظة على الجبل عن الصلاة والصدقة والصوم (مت6) يلاحظ أن الرب يسوع لم يقصد أن يقدم معلومات عن هذه الممارسات لأنها كانت معروفة في وقتها، وإنما أراد أن يعالج.

مَنْ  يصنعون الصدقة قدام الناس (مت6: 1).

ومَنْ يصلون قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع (مت6: 5) .

ومَنْ يصومون عابسين ليظهروا صائمين (مت6: 16).

لقد كان إهتمام الكتبة والفريسين بالمظاهر أكثر من الأعماق، وكانوا يعملون كل أعمالهم لكي يراهم الناس (مت23: 5). لقد بالغوا في التمسك بالمظاهر الدينية السطحية دون إيمان قلبي حقيقي، " ولذلك صب الرب يسوع عليهم وابلاً من الويلات فقال لهم:"وَيْلٌ لَكُمْأَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَأْكُلُونَبُيُوتَ الأَرَامِلِ، ولِعِلَّةٍ تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ. لِذلِكَ تَأْخُذُونَدَيْنُونَةً أَعْظَمَ. ...  وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُوَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَوَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّوَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَتَتْرُكُوا تِلْكَ. ..  وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُوَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةًتَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَأَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ".(مت23: 13، 14، 23، 27) .

وقد وجه اللوم لاولئك الذين يدينون الناس على القذى البسيط الذي في عيونهم ، ولا يحسون بالخشبة التي في عيونهم فقال لهم في (مت7: 1- 5). "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا،
 لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِيبِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُلَكُمْوَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَىالَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَتَفْطَنُ لَهَا؟أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟يَامُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاًالْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَىمِنْ عَيْنِ أَخِيكَ".!   

نعم ! في المسيح نتمتع بحرية مجد أولاد الله ، وهي حرية مسئولة وملتزمة ومنضبطة لأنها تراعي القيم والمبادئ المسيحية .   

أدعوك أن تختبر حياة الحرية الحقيقية في المسيح.