القائمة الرئيسية

ابحث في الموقع

التسجيل

عدد الزائرين

free counters
 

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 98 زائر متصل
الرئيسية عظات وتأملات عظات الإيمان والغفران

الإيمان والغفران

 الإيمان والغفران

 

النص الكتابي:- (مت18: 21- 22) "حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ:«يَارَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ".

(أف4: 26- 32)" اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ، وَلاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَانًا. لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلاً الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ. لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ.

وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ. لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ. وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ".

هناك قصة عن اثنين حدثت بينهما مشاجرة كبيرة ،إحتد الأول ، وفي غضبه وانفعاله أخذ يشتم ويهين الثاني بكل أنواع الشتائم والاهانات ، ويتوعده بكل أنواع الوعيد والتهديد .

فقرر الثاني أن ينتقم ويشفي غليله من الأول، وذهب ليدبر له المؤامرة التي بها يرد اعتباره، وفي طريقه رأى كنيسة فدخل إليها، فرأى في لوحة الإعلانات ثلاث صور.

الصورة الأولى:

تصور الرب يسوع على الجبل والجموع محتشدة من حوله ، تستمع إلى موعظته، وتحت الصورة مكتوب " أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ " (مت5: 44).

والصورة الثانية:

 ترسم مشهد القبض علىالربيسوع ، وهو مشهد إجرامي وإرهابي عنيف ، وفي الصورة سمعان بطرس وقد استل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة " ملخس" فقطع أُذنه ، وتحت الصورة مكتوب " رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ " (مت26: 52مع يو18: 10).

الصورة الثالثة:

تجسد الرب يسوع وهو متوج على الصليب بإكليل الشوك ، وآثار التعذيب على جسده، وريشة الفنان تصور آلام المسيح بدقة متناهية ، وببراعة فوق حد التصور ، لدرجة أن الناظر إليها لا يمكنه إلا أن يذرف الدموع، وتحت الصورة مكتوب «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ».(لو23: 34).

عندما رأى صاحبنا هذه الصور تأثر جداً ، وتعامل روح الله القدوس في قلبه وبدأ يركع ويصلي ، يطلب من الرب أن يملأ قلبه بالحب الذي به يغفر ويصفح لمَنْ أساء إليه ، فإذا بالحقد يتلاشى من قلبه ويحل محله التسامح والسلام ، وقام يبحث عن عدوه ليعاتبه ويصطلح معه.

نعم ! إن الغفران من روائع الإيمان، فحياة الإيمان هي الحياة التي تتسم بالمحبة والسلام مع الآخرين، وبرهان محبتنا لإلهنا ، وفي كلمة الله المقدسة نجد ريشة الوحي تنبر بوضوح على حياة الغفران .

 

أولاً: معنى الغفران:-  

إن كلمة الغفران في اللغة الأصلية للعهد الجديد – اللغة اليونانية تحمل معنيين :

المعنى الأول :-  الغفران بمعنى إطلاق السراح ، فالغفران يعطيك القدرة أن تطلق وتحرر مَنْ أساء إليك،لأنه إن لم تغفر فهذا معناه أنك لن تترك خصمك ، بل ستجعله يلازمك في قيامك وجلوسك، بالليل والنهار،لا يفارق خيالك ،ولا يبرح من تفكيرك ، وهذا عبء ثقيل فوق احتمالك ، يكدر صفو حياتك ، أما إذا غفرت،وحررت نفسك من قيد الإحساس بالحقد والضغينة والكراهية ، فأنت تحرر نفسك من التفكير الدائم في كيفية الانتقام ، وتشعر بسلام الغفران ، وروعة الإيمان.  

والسؤال هل يمكن أن يعيش الإنسان حياة الغفران ، أم أن هذا لون من ألوان الخيال؟!.

إن كلمة الله تقدم لنا شخصيات كثيرة استطاعت أن تعيش وتترجم الغفران في حياتها بهذا المعنى، فنقرأ على سبيل المثال لا الحصر عن يوسف الذي حسدوه إخوته ،وحقدوا عليه ، وباعوه ،.

إن الوحي يلخص آلامه في تعبير جاء في (مز105: 18) " فِي الْحَدِيدِ دَخَلَتْ نَفْسُهُ" ،وفي إعتراف إخوته في (تك42: 21)«حَقًّا إِنَّنَا مُذْنِبُونَ إِلَى أَخِينَا الَّذِي رَأَيْنَا ضِيقَةَ نَفْسِهِ لَمَّا اسْتَرْحَمَنَا وَلَمْ نَسْمَعْ".

لكن الدارس المدقق لحياة يوسف يرى أن يوسف لم يختزن في أعماقه حقداً أو ضغينة تجاه إخوته ، ولم يقيد نفسه بذكريات مريرة وأليمة مر بها في علاقاته بإخوته ،والدليل على ذلك نراه في المشهد البديع الذي ترسمه ريشة الوحي في (تك45: 1- 4)مكتوب فَلَمْ يَسْتَطِعْ يُوسُفُ أَنْ يَضْبِطَ نَفْسَهُ لَدَى جَمِيعِ الْوَاقِفِينَ عِنْدَهُ فَصَرَخَ: «أَخْرِجُوا كُلَّ إِنْسَانٍ عَنِّي». فَلَمْ يَقِفْ أَحَدٌ عِنْدَهُ حِينَ عَرَّفَ يُوسُفُ إِخْوَتَهُ بِنَفْسِهِ.فَأَطْلَقَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ، فَسَمِعَ الْمِصْرِيُّونَ وَسَمِعَ بَيْتُ فِرْعَوْنَ. وَقَالَ يُوسُفُ لإِخْوَتِهِ: «أَنَا يُوسُفُ. أَحَيٌّ أَبِي بَعْدُ؟» فَلَمْ يَسْتَطِعْ إِخْوَتُهُ أَنْ يُجِيبُوهُ، لأَنَّهُمُ ارْتَاعُوا مِنْهُ من هول المفاجأة ،فلقد مرت حوالي 22 سنة منذ أن كانوا قد باعوه ،ولم يتوقعوا رؤيته مرة أخرى ، وظنوا أنه مات ،ولا شك أنهم تخيلوا أنه حانت الفرصة لينتقم منهم ،ويشفى غليله على ما فعلوه به، لكنه بمشاعر رقيقة ، وبكلمات حانية مبللة بالدموع يقول لهم : " أنا يوسف أخوكم الذي بعتموه إلى مصر " .

فهو يؤكد لهم أنه غفر لهم ما فعلوه به ، وإنه لم يزل أخاً لهم بكل ما تحمل الكلمة من المعاني الجميلة ، أما عبارة"الذي بعتموه " لم يكن يقصد أن يذكرهم بما فعلوه ، ولكن لكي يعرفوه ،وكأنه يعطيهم علامة أو برهان، إنه هو يوسف ولكي يبين لهم عظمة صنيع الرب معه .

نعم ! إن غفران يوسف لإخوته يجسد معنى الغفران ،وهو أن تحرر وتطلق مَنْ أساء إليك ، وتحرر نفسك من فكر الانتقام منه .

ويتأكد هذا المعنى عندما نقرأ أنه بعد موت يعقوب شعر إخوة يوسف بعدم الأمان، وكأن الضامن (الأب) مات، وعندئذ خافوا لئلا يوسف ينتقم منهم فمكتوب في (تك50: 15- 20)وَلَمَّا رَأَى إِخْوَةُ يُوسُفَ أَنَّأَبَاهُمْ قَدْ مَاتَ، قَالُوا: «لَعَلَّ يُوسُفَ يَضْطَهِدُنَا وَيَرُدُّ عَلَيْنَا جَمِيعَ الشَّرِّ الَّذِي صَنَعْنَا بِهِ».  فذهبوا إِلَى يُوسُفَ قَائِلِينَ: «أَبُوكَ أَوْصَى قَبْلَ مَوْتِهِ قَائِلاً:  هكَذَا تَقُولُونَ لِيُوسُفَ: آهِ! اصْفَحْ عَنْ ذَنْبِ إِخْوَتِكَ وَخَطِيَّتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ صَنَعُوا بِكَ شَرًّا. فَبَكَى يُوسُفُ حِينَ كَلَّمُوهُ. وَأَتَى إِخْوَتُهُ أَيْضًا وَوَقَعُوا أَمَامَهُ وَقَالُوا: «هَا نَحْنُ عَبِيدُكَ».  فَقَالَ لَهُمْ يُوسُفُ: «لاَ تَخَافُوا. لأَنَّهُ هَلْ أَنَا مَكَانَ اللهِ؟  أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا".

المعنى الثاني:- يأتي الغفران بمعنى تقديم عطية أو هدية بمحبة غير مشروطة في صورة  صفح وتسامح ،

فالغفران هو رد على الإساءة بالتسامح .وهذا ما أعلنه الرب يسوع في الموعظة على الجبل عندما قال في (مت5: 44) " أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ"ولعل هذا يفسر ما قاله الرسول بولس فمكتوب" إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. ». لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْر"ِ. (رو12: 20- 21).

هناك قول مأثور يقول : إن مقابلة الخير بالشر عمل شيطاني ، ومقابلة الشر بالشر عمل حيواني ، ومقابلة الخير بالخير هو عمل إنساني ، أما مقابلة الشر بالخير فهو عمل روحاني . لا يستطيع القيام به إلا أبناء الله بالفعل.  ولعل أجمل مثال على ذلك هو  الصورة التي رسمتها لنا ريشة الوحي المقدس،والتي تعبر عن مدى تسامح وغفران داود أمام شاول الملك الذي كان ممتلئاً برغبة جارفة وصارخة في تدميره ، فلقد أتيحت لداود فرصة ليقتل شاول في (برية عين جدي) (1صم24: 9- 15) ، وفي مرة ثانية في (برية زيف) (1صم26: 23- 24) وفي المرتين يرفض أن يمد يده ويقتل الملك شاول، ويقدم له دليل العفو والتسامح.

وعندما علم داود بمقتل الملك شاول ،كنا نتوقع أنه سيفرح بهذا الخبر،لكن بالعكس فلقد حزن جداً ، ومزق ثيابه وندب وبكى هو والرجال الذين معه حزناً شديداً على شاول وعلى يوناثان، بل وأكثر من هذا أن داود أمر بقتل قاتل شاول (2صم1: 1- 16). وكتب مرثاة خالدة تُعرف باسم " نشيد القوس " (2صم1: 19- 27).

أما البرهان الجميل على غفران داود بهذا المعنى أنه بحث عن ما بقى من نسل شاول حتى يصنع معه معروفاً، فوجد ابن ليوناثان أعرج الرجلين اسمه مفيبوشث فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: «لاَ تَخَفْ. فَإِنِّي لأَعْمَلَنَّ مَعَكَ مَعْرُوفًا مِنْ أَجْلِ يُونَاثَانَ أَبِيكَ، وَأَرُدُّ لَكَ كُلَّ حُقُولِ شَاوُلَ أَبِيكَ، وَأَنْتَ تَأْكُلُ خُبْزًا عَلَى مَائِدَتِي دَائِمًا».(2صم9: 7).  

هذا هو الغفران الذي لا يشفي غليله بالانتقام ، لكنه يسامح ويصلي لأجل مَنْ أساء إليه بل وأكثر من ذلك يعطيه ويعينه ويشجعه عند احتياجه.

 

ثانياً : لماذا نغفر:- 

    إن المؤمن الحقيقي لديه الكثير من الأسباب التي تدفعه إلى الغفران أذكر منها الآتي:-

1.    لأن كلمة الله  تعلمنا وتوصينا بالغفران:-

نغفر لأن الله يوصينا بالغفران ،وفي يقيني أنه لا توجد وصية في كلمة الله ينبر عليها الوحي مراراً وتكراراَ أكثر من الوصية بمحبة الأعداء والغفران لهم ، فعلى سبيل المثال ما قاله الرب يسوع في (مت6: 14- 15)" فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ " وفي (لو6: 37)" اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ ".فكيف يتمتع القلب الممتلئ بالحقد والضغينة بغفران وسلام الله.

أو لم تكن وصية الرب يسوع الجديدة هي " وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا.بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ». (يو13: 34، 35)  "ويقول الرسول بولس في (أف4: 26، 32) اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُعَلَى غَيْظِكُمْ، وَلاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَانًا. لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ... لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ. وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ.

ويقول في (رو12: 18- 20) إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ. ويقول لتلميذه تيموثاوس" وَعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أَنْ يُخَاصِمَ، بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقًا بِالْجَمِيعِ،"(2تي2: 24).

2. نغفر لتكون عبادتنا مقبولة :-

لقد أوصى الرب يسوع قائلاً في موعظته على الجبل (مت5: 23، 24)«فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ،  فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ». فكيف يمكن أن نتقدم للسجود والعبادة والصلاة أمام الله وقلوبنا ممتلئة بالحقد والضغينة والكراهية ؟ّ! فــإِنْ قَالَ أَحَدٌ:«إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟ (1يو4: 20). ويقول الرب على لسان (إشعياء1: 15- 17)«فَحِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا. اِغْتَسِلُوا. تَنَقَّوْا. اعْزِلُوا شَرَّ أَفْعَالِكُمْ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيَّ. كُفُّوا عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ. تَعَلَّمُوا فَعْلَ الْخَيْرِ. اطْلُبُوا الْحَقَّ. انْصِفُوا الْمَظْلُومَ. اقْضُوا لِلْيَتِيمِ. حَامُوا عَنِ الأَرْمَلَةِ».أنه يحول عينيه عن الأيادي المرفوعة إليه ، طالما إنها تمتد وتؤذي الآخرين قبل أن تتجه إليه .

 

3. نغفر لأن الله غفر لنا الكثير :-   

    إن غفران الله لنا بكل ما اقترفنا ، يعلمنا ويدفعنا أن نغفر بدورنا إلى مَنْ أساء إلينا، وهذا ما علّمه لنا الرب يسوع من خلال تعليمه في مثل المديونين (مت18: 15: 35) ، فنحن نستغرب ونستنكر بشدة ما فعله العبد الذي رفض أن يترك ديناً بسيطاً لرفيقه ، وأصر بكل قوة على استرداده، بعد أن كان الملك قد ترك له ديناً كبيراً عجز عن سداده .

قال البعض من المفسرين إن نسبة الديّن الذي كانت للسيد عند العبد إلى الديّن الذي كان للعبد عند العبد رفيقه هي تقريباً بما يعادل واحد إلى مليون، أي لا وجه للمقارنة ، لذلك يقول كوستي بند لي " إن المسيح كان يقصد أن يقول أن من إختبر غفران الله  الذي بلا حدود ،يجب أن يكون غفرانه أيضاً بلا حدود ".

إن الذي لا يغفر لأخيه إنما يبرهن على أنه لم ولن يتمتع بغفران الله في حياته .

   

4. نغفر لأن المسيح مثالنا في الغفران :-

ذاك الذي سجل عنه الوحي في (مت12: 19)"لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ".

 لم تكن تعاليمه مجرد أوامر ووصايا لكنها الحياة التي عاشها الرب يسوع ، فرأيناه في أيام تجسده يحمل قلباً  كبيراً محباً ، يتسع لكل إنسان. ففي (لو9: 51- 56) نرى أن اليهود كانوا يكرهون السامرين، فقد كانوا ينظرون إليهم أنهم اختلطوا بالأمم، وفقدوا هويتهم ونقاوتهم،وكان السامريون بدورهم يكرهون اليهود، ويعتبرونهم رجعيين ومتخلفين ومنغلقين لأنهم لم يختلطوا بالحضارات الأخرى، ولقد حدثت توترات كثيرة بين هذين الشعبين، ووصلت العداوة لدرجة أن اليهودي المسافر بين الجليل وجنوب اليهودية كان يدور حول منطقة السامرة ، ولا يسلك في أراضيها  حتى وإن طالت رحلته .

أما الرب يسوع ، فعندما قصد أن يذهب ٍإلى أورشليم اختار طريق السامرة ليمر من خلالها ،وأرسل رسلاً ليهيئوا له ما يلزم لهذه الزيارة ، وعندما رفض السامريون استقباله اغتاظ يعقوب ويوحنا وطلبا من المسيح أن يأذن لهما بطلب نار من السماء تنزل لتفنى السامرة لكن الرب يسوع إنتهرهما ووبخهما وقال لهما " لستما تعلمان من أي روح أنتما ، لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص.

وفي إنجيل (يوحنا ص4) نرى الرب يسوع عند البئر يتحدث مع السامرية حتى وصل معها في نهاية الحوار إلى اقتناعها وقبولها إياه ويسجل الوحي عنها في (يو4: 28- 30) " فَتَرَكَتِ الْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَمَضَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ: «هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟». فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا إِلَيْهِ".

 وعلى الصليب نراه يصلي قائلاً : «يَاأَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ».(لو23: 34) ومن الطبيعي أن نكون على مثاله كما هو مكتوب " مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِه ِ"(رو8: 29)،" مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا ".(كو3: 13) ، ما أجمل الترنيمة التي تقول كلماتها :-

علمني يارب كيف أسامح ... مَنْ بعناد حقي استباح ... ذكرني كيف غفرت لي ...  أنت بكل حب وسماح.

 

5. نغفر لأن عدم الغفران له آثار سلبية رهيبة:-

 نعم ! ليس سهلاً أن يغفر الإنسان لشخص أساء إليه لكن يجب أن ندرك أنه مهما كان الغفران صعباً ومكلفاً إلا أنه أقل تكلفة من مشاعر الكراهية والانتقام فنرى على سبيل المثال :-

   أ.  إن مشاعر الحقد والكراهية عندما تتحكم في إنسان تجعله كالأعمى لا يبصر الطريق ، ولا يرى النتائج ، وتقوده ليدمر نفسه ويدمر الآخرين. وهذا يفسر ما قاله الرسول يوحنا في (1يو2: 9- 11) " مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، فَهُوَ إِلَى الآنَ فِي الظُّلْمَةِ.  مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ.  وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَفِي الظُّلْمَةِ يَسْلُكُ، وَلاَ يَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي، لأَنَّ الظُّلْمَةَ أَعْمَتْ عَيْنَيْهِ"

 وهذا يعنى أن الإنسان الذي لا يغفر يفقد الرؤية الصحيحة، والتقييم الموضوعي للأمور ، وتجعله يتصرف بطريقة غير مسئولة ، فيتخذ قرارات انفعالية غير مدروسة ، وإن شئت فقل قرارات جنونية .

كيف لا ! ألم يفكر شاول الملك في قتل داود ... عجباً ! إنه يريد أن يقتل زوج إبنته ، فهل يقبل عاقل أن تترمل إبنته؟! (1صم18: 17- 29، 1صم19: 15- 18)، كما نسمع شاول الملك يشتم إبنه يوناثان ويريد أن يقتله (1صم20: 30- 33) يا للأسف لقد حولت الأحقاد بيت شاول إلى ساحة قتال ، فبدلاً من أن يهتم ببناء ملكه ، أصبح كل ما يشغل باله هو التخلص من داود .

ب.الحقيقة التي لا يشوبها أدنى شك  أن مشاعر والكراهية تصيب الإنسان بأمراض عديدة ، وكما قال أحدهم : " إن الناس يصابون بالقرحة ليس بسبب ما يأكلون بل بسبب ما يأكلهم ".

 فالأحقاد  يحرم الإنسان من كل لحظات السلام والفرح والراحة. وتجعله يفقد توازنه وينفعل ويسيء لأقل شيء ،  فيصبح سريع الغضب ، شديد التوتر ، يعاني من الأرق والقلق .

ج.والأحقاد يعطل نمونا الروحي، فمن المستحيل أن ينمو الإنسان روحياً ، وهو يحمل في أعماقه كراهية ورغبة في الانتقام ، هذا ما يؤكده الرسول بولس في (1كو3: 1- 3) " وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَال فِي الْمَسِيحِ، سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ، بَلِ الآنَ أَيْضًا لاَ تَسْتَطِيعُونَ،لأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَرِ؟ ".

فالكراهية عندما تسيطر على مشاعر إنسان تجعله لا يستطيع أن يأخذ خلوته الشخصية ، أو يقرأ كتابه المقدس ، أو يستثمر مواهبه في خدمة الرب . فكيف يمكن لإنسان أن ُيقنع الآخرين بغفران الله،وخلاص الرب في الوقت الذي فيه يرفض أن يغفر لمَنْ أساء إليه.

 

ثالثاً : . كيف نغفر :- 

1. نغفر بمزيد من الـمحبـة:-

إن ممارسة المحبة المسيحية خطوة أساسية وحتمية تسبق الغفران ، والغفران لن يبدأ إلا حينما تعبر عن محبتك لمَنْ أساء إليك ، لقد أوصانا الرب يسوع في موعظته على الجبل قائلاً: " أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. ". (مت5: 44) .

نعم ! إن أول وأعظم وصية هي " تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى، وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ." (مت22: 37). ويقول الحكيم في (أم10: 11) " ، " َالْمَحَبَّةُ تَسْتُرُ كُلَّ الذُّنُوبِ ".

 نعم ! إن الرد على الكراهية بالكراهية لا يحل المشكلة ، ولكن لا شيء يقضي على الكراهية سوى المحبة ، فقوة المحبة قادرة أن تحول العدو إلى صديق ، والمحبة كما يقول الرسول بطرس في (1بط4: 8)" وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا ".

 وما أجمل ما قاله الرسول يوحنا في (1يو4: 21) وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا ".

وعندما تكون المحبة بهذا المنسوب في حياتنا ، فبالتأكيد ستثمر غفراناً بلا حدود ، فالمحبة لا تحتفظ بسجل للأخطاء إنما المحبة تغفر كل شيء، فمكتوب عنها أنها تَـحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.ولاَ تَسْقُطُ أَبَدًا (1كو13). هكذا شدا المرنم : في الحب أمن ونجاح ... في الحب ستر وسماح ... في الحب تكميل الصلاح ... فالحب يا نعم الوشاح.          

 

 2. نغفر بصــلاة من القلب :-

عندما يساء إلينا ، علينا أن لا نلتفت إلى المسيء ،ولا إلى مقدار الألم الذي أحدثته الإساءة ، فهذا لا يجعلنا نغفر بل علينا أن نتجه بقلبنا في صلاة إلى إلهنا ،ونطلب الغفران لمَنْ أساء إلينا ، وهذا يذكرنا بما قاله النبي داود في (مز109: 1- 5) وهو يشكو للرب من الأعداء الكاذبين المتآمرين القتلة ، الذين ردوا على خيره بالشر ، وعلى حبه بالكراهية ، وتكلموا معه بلسان كذب ، وتكلموا عنه بافتراءات فاقت احتماله  ومع هذا قدم المرنم لأعدائه محبة لكنهم خاصموه ، ورفضوا محبته، ومع هذا يقول المرنم " أما أنا فصلاة " ، أي أنه يقابل العداوة بالصلاة من أجل الأعداء ،وهذا ما علمنا إياه الرب يسوع عندما قال : " وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ " (مت5: 44). وهذا ما رأيناه في استفانوس وهم يرجمونه فمكتوب " وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ"وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ :«يَارَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ».(أع7: 57- 60).

المهم علينا أن نطبق ما سطره الوحي لنا في (يع5: 16) " اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّّلاَتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا".

 

3. نغفر بالتماس الأعذاروشجاعة الاعتذار:-  :-

إذا أردت أن تغفر عليك أن تلتمس الأعذار لغيرك ، وتراجع نفسك فقد تكون أنت السبب الذي جعلت الآخر يعاديك، وربما تكون قد ظلمته وأخذت مكانه، أو لم تعطه مكانته ، أو أهدرت حقه ، أو شوهت سمعته ، أو لم تقف بجواره في ظروف صعبة اجتاز فيها ، أو أن هناك شخصاً وسيطاً بينكما حاول تشويه العلاقة بينكما ، ولماذا لا تقترب بإخلاص لمَنْ أساء إليك وتحاول أن تعرف ظروفه؟! ولماذا لا يكون لديك شجاعة الاعتذار له، أو تلتمس له الأعذار، ربما تكون عليه ضغوط معينة ؟!.

نعم ! جميل أن تحاول أن تفهم الآخر بتواضع دون أن تنظر له من نظارتك الملوثة بكراهيتك له ، أو ذكريات الماضي المؤلم والجراح التي ربما مازالت تنزف ، فالشخص المسيء  ربما يستحق الشفقة والمساعدة والحنان ، فربما يعاني من ظروف مادية ، أو أسرية ، أو اجتماعية صعبة.

كم كان داود رائعاً عندما ذهب ليسأل عن سلامة أخوته وعرف قصة جليات الذي كان يعّير صفوف الله وأخذ يسأل " ماذا يُفعل للرجل الذي يقتل ذلك الفلسطيني (1صم17). 

وَسَمِعَ أَخُوهُ الأَكْبَرُ أَلِيآبُ كَلاَمَهُ مَعَ الرِّجَالِ، فَحَمِيَ غَضَبُ أَلِيآبَ عَلَى دَاوُدَ وَقَالَ له: «لِمَاذَا نَزَلْتَ؟ وَعَلَى مَنْ تَرَكْتَ تِلْكَ الْغُنَيْمَاتِ الْقَلِيلَةَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟ أَنَا عَلِمْتُ كِبْرِيَاءَكَ وَشَرَّ قَلْبِكَ، لأَنَّكَ إِنَّمَا نَزَلْتَ لِكَيْ تَرَى الْحَرْبَ».

كان يمكن لداود أن يرد على أخيه أَلِيآبَ بكلمات قاسية ... كان يمكن أن يقول له لقد أتيت لأرى إخوتي في شجاعة وبسالة يواجهون الأعداء ، ولكن وأسفاه لقد رأيت فيكم الجبن والهلع وروح الهزيمة تسيطر عليكم من جليات، لكنه يلتمس العذر لكلام أخيه ، والظروف الصعبة التي يجتاز فيها فَقَالَ دَاوُدُ: «مَاذَا عَمِلْتُ الآنَ؟ أَمَا هُوَ كَلاَمٌ؟».(1صم17: 28، 29).

نعم ! "اَلْجَوَابُ اللَّيِّنُ يَصْرِفُ الْغَضَبَ"(أم15: 1).

"وإِنْ كُنَّا نَعِيشُ بِالرُّوحِ، فَلْنَسْلُكْ أَيْضًا بِحَسَبِ الرُّوحِ.  لاَ نَكُنْ مُعْجِبِينَ نُغَاضِبُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَنَحْسِدُ بَعْضُنَا بَعْضًا".(غلا5: 25، 26).

يحكي لنا سفر (الأعمال15: 36- 40)" ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ قَالَ بُولُسُ لِبَرْنَابَا:«لِنَرْجِعْ وَنَفْتَقِدْ إِخْوَتَنَا فِي كُلِّ مَدِينَةٍ نَادَيْنَا فِيهَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ، كَيْفَ هُمْ».فَأَشَارَ بَرْنَابَا أَنْ يَأْخُذَا مَعَهُمَا أَيْضًا يُوحَنَّا الَّذِي يُدْعَى مَرْقُسَ،
 وَأَمَّا بُولُسُ فَكَانَ يَسْتَحْسِنُ أَنَّ الَّذِي فَارَقَهُمَا مِنْ بَمْفِيلِيَّةَ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمَا لِلْعَمَلِ، لاَ يَأْخُذَانِهِ مَعَهُمَا.
 فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ حَتَّى فَارَقَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. وَبَرْنَابَا أَخَذَ مَرْقُسَ وَسَافَرَ فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ.
 وَأَمَّا بُولُسُ فَاخْتَارَ سِيلاَ وَخَرَجَ مُسْتَوْدَعًا مِنَ الإِخْوَةِ إِلَى نِعْمَةِ اللهِ ".

" حصل بينهما مشاجرة " ما أصعب هذا التعبير عن رسولين لهما قامة روحية عالية. والسؤال مَنْ كان المخطئ ومَنْ كان على صواب ؟! بولس أم برنابا ؟! الحقيقة في تقديرى أن كلاهما كان على حق ، كلاهما قلبهما على خدمة الله، بولس يريد أن مَنْ يذهب إلى الخدمة لابد أن يكون جاهزاً ، مُدرباً ، ملتزماً ، قادراً على احتمال مشقات وتحديات الخدمة، ولذلك يرفض أن يأخذ يوحنا الذي يدعى مرقس الذي فارقهما من بمفيليه، ورجع وهما في منتصف طريق الخدمة، وربما كان رأى بولس أن ينتظر حتى تكون له خبره وحنكة ودراية بالخدمة ، أما  برنابا فقد كان يريد أن يشجع مرقس ، ويدربه على الخدمة ، وأن يقيمه من عثرته ، ويأخذ بيده ويدفعه إلى عمل الله ، فلقد كان يرى فيه الخادم المبارك مع الأيام . لكن الكتاب يذكر أنهما اختلفا في الرأي، وحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر.

وتمضي الأيام وأصبح مرقس كما توقع برنابا الإناء النافع لخدمة السيد، وكم كان رائعاً وبولس يكتب لتيموثاوس قائلاً في (2تي4: 11)" لُوقَا وَحْدَهُ مَعِي. خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ ". ولعله في هذه الكلمات نلمس شجاعة الاعتذار ، فلم يصر بولس على موقفه من مرقس، بل نراه في الوقت المناسب يطلب مرقس للخدمة معه.

اعتقد أن برنابا عندما عرف رأى بولس في مرقس شعر بسعادة غامرة وعبر عن امتنانه لبولس .

 نحتاج أن نتعلم كيف يكون لنا شجاعة الاعتذار، ونعتذر لمَنْ أسأنا فهمه واختلفنا معه ،ولا شك أن الاعتراف بالخطأ خطوة على طريق الالتقاء بين الطرفين ، وهذا الأسلوب يشجع الطرف الآخر على الاعتراف بأخطائه.

4. نغفر  بالمبادرة بالعتابالرقيق:-

هناك مقوله جميلة تقول : يدوم الحب ما بقى العتاب. إن الطريق إلى الغفران واسترداد العلاقات المفقودة هو أن تذهب وتعاتب مَنْ أساء إليك، فلقد قال الرب يسوع (مت18: 15- 17) «وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ.وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ".

من التقاليد الاجتماعية المتعارف عليها  في حل المشكلات ، وحسم الصراعات بين المتخاصمين هو أن يذهب المسيء للمُساء إليه ويعتذر له، بينما المبادئ الإيمانية تقول لنا العكس ، أن المُساء إليه هو الذي يذهب إلى المسيء ويعاتبه ، وهذا يعني أن تكون مبادراً وحريصاً على الصلح والسلام. فالشخص الأكثر إيماناً ونضجاً وروحانية هو الذي يستطيع أن يبادر ويأخذ خطوة العتاب .  

والجدير بالذكر أنه يجب أن يكون العتاب في بداية الأمرعلى انفراد حتى لا يفهم المُسيء أن المُساء إليه يسعى إلى توبيخه، بل إلى عودة العلاقات ثانية ، أما إذا المُسيء لم يتجاوب مع العتاب فيقول الرب : "  وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ.  هذه محاولة ثانية، فربما يعالجان الموضوع بأسلوب أخر وبضغوط محبة معينة ، وإذا رفض فيجب عرض الأمر على الكنيسة ،بالطبع ليس بهدف التشهير أو التأديب بل لعمل محاولة أخرى، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ"، أي أنك تتعامل معه كما كان المسيح يتعامل مع الوثني والعشار، أي بمزيد من المحبة والاهتمام.

نعم ! إن الأمر يستحق بذل المزيد من الجهد والمثابرة مع الصبر وطول الأناة، لأنك إذا نجحت فستربح أخاك ، وفي ربح أخيك بركة كبيرة.

5. نغفر بعدم الانتقام لانفسنا:-

يقول الرسول بولس في (رو12: 19) لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ:«لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ ".

إن الانتقام هو سمة الضعفاء أما الغفران هو شيمة الأقوياء ، الغافر يبرهن على قوة إيمانه ، والذي يريد أن ينتقم يدلل على ضعف إيمانه .

والانتقام هو أسوأ سلاح ، فالعنف يولد العنف ، والكراهية تولد الكراهية ، لكن الرب يسوع يعلمنا في الموعظة على الجبل (مت5: 38- 39) «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا ".

لن نتغلب على الكراهية بالكراهية ، ولن ندمر الشر بالشر ، فالأخذ بالثأر ليس هو الحل للمشكلة ، بل بالعكس هو كمَنْ يصب الزيت على النار فيزداد اشتعالاً .

إن المسيحي الحقيقي هو الذي يختار طريق الـلاعنف كسيده المكتوب عنه (1بط2: 23)" الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْل ".فليس القوى من يهزم عدوه وإنما القوى هو مَنْ يربحه.

وهناك مثل يقول : إذا أهنت شخصاً فأنك تصبح أقل منه ، وإذا انتقمت منه فإنك تكون مساوياً له ، أما إذا سامحته وغفرت له فأنك تصبح اُسمى وأعلى منه.

وهذا يذكرني بقصة المرسل الذي ذهب هو وأسرته إلى أدغال أفريقيا لخدمة الله ، وهناك استشهد في ميدان الخدمة ، ورجعت الزوجة بأطفالها الثلاثة إلى بلادها ،وقامت بتربيتهم أجمل تربية ، حتى أصبحوا الثلاثة الأبناء أطباء ناجحين ، وعندما عرفوا قصة إستشهاد والدهم ، ثاروا ثورة عارمة ، وقرروا الذهاب إلى البلدة التي اسُتشهد فيها والدهم لينتقموا من أهلها ،وهنا قالت لهم الأم لقد انتظرت كل هذه السنوات حتى إنتهاء دراستكم ، والآن قد حان الوقت لنذهب وننتقم لأبيكم ،ولكن بحياة الإيمان والغفران ، دعونا نذهب حيث اسٌتشهد والدكم، ونبني هناك مستشفى لعلاج المرضى الفقراء ، ومن خلالها نكمل رسالته ونقدم رسالة محبة الله وخلاصه، فلا يمكن أن نضّيع نجاحنا وعمرنا في الانتقام ، ولكن نستثمره في خدمة الله ولمجد الله ، فتصبح لحياتنا قيمة وهدف ومذاق ورسالة فلقد قال الحكيم في (أم20: 3) " مَجْدُ الرَّجُلِ أَنْ يَبْتَعِدَ عَنِ الْخِصَامِ، وَكُلُّ أَحْمَقَ يُنَازِعُ ".

6. نغفر بكمال النسيان:-

الغفران والنسيان يرتبطان معاً ، فالنسيان هو الغفران الكامل ، والغفران هو كمال النسيان ،والنسيان هو الخطوة الأخيرة في الغفران وليست الأولى ، فمَنْ يعتقد أن النسيان يأتي أولاً يشبه الشخص الذي يريد أن يتقدم للإمتحان النهائي قبل أن يبدأ الدراسة.

والنسيان لا يعني فقدان الذاكرة، لكنه اختبار يشبه النسيان الإلهي لخطايانا، فالله عندما يغفر لنا ، لا ينسى خطايانا ، ولكنه لا يذكرها بعد ،ولا يحسبها علينا ، وفي هذا يقول المرنم : " لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا.  كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا". (مز103: 10، 12). قال أحد الأتقياء وهو يحكي اختباره للحياة الجديدة في المسيح ، إن الله طرح خطاياي في بحر النسيان ، ورفع لافته على شاطئ البحر مكتوب عليها  " ممنوع الصيد ".

هكذا على الإنسان الذي يغفر إساءات وتعديات الآخرين لا يعود يتذكرها أو يذكرها ، ولا يجتر الذكريات المؤلمة ، فالنسيان هو تطهير جراح الإساءة من أية سموم .

وقبل الغفران والنسيان يجب على الطرفين أن يتذكرا معاً أسباب الخلاف ، وتداعياته ٍ، ويضعان حداً ونهاية لكل السلبيات التي صدرت منهما ، ويشتركان معاً في بناء علاقة جديدة ، والنسيان يعني أن لا نجعل إساءة المسيء تطفو من حين لآخر على سطح الذكريات ، وتؤثر سلباً على تصرفاتنا .

أحياناً نظن أن الزمن كفيل بحل المشكلات، أي نعم ! بمرور الوقت قد ينسى الإنسان تفاصيل المشكلة ، لكن يظل الألم في أعماق النفس ، وكبت الألم يتحول إلى ضغينة وحقد ، ورغبة في الانتقام ، ولا يمكن أن تنتهي دائرة الانتقام إلا باختبار الغفران ، فالغفران الشكلي ليس حلاً ، فإن لم يكن الصلح والسلام على أساس صحيح ، وبنية مخلصة ، ومن القلب ، لن يفيد شيئاً وقد يأتي بنتائج عكسية وسلبية .

رابعاًً: معطلات الغفران:-

1. ضعف الإيمان :-

 في إنجيل (لو17: 3- 6)وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ، وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلاً: أَنَا تَائِبٌ، فَاغْفِرْ لَهُ». فَقَالَ الرُّسُلُ لِلرَّبِّ:«زِدْ إِيمَانَنَا!».

يدور الحديث في هذا النص الكتابي على ضرورة الغفران في الحياة المسيحية ، ولو إلى سبع مرات في اليوم الواحد ، وفي هذا الصدد قال الربيون : إن غفر أحد لمسيء ثلاث مرات يكون رجلاً كاملاً، أما التعليم المسيحي فيضاعف هذا الرقم ويزيد عليه مرة ، وهذا معناه أن مقياس الصفح المسيحي يعلو عن كل مقياس عالمي.

ثم نجد الرب يركز في حديثه على الإيمان كأعظم قوة في الوجود تعطي إمكانية الغفران ،فيكون المعنى إن ما يبدو أنه غير ممكن ، يصير ممكناً إن وُجد الإيمان الفعلي،وهذا ما نراه واضحاً في القرينة الكتابية حيث يقول الرب لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل، لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذِهِ الْجُمَّيْزَةِ: انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ فَتُطِيعُكُمْ".(لو17: 6) وهنا قال التلاميذ للرب " يارب زِدْ إِيمَانَنَا " ، وكأن التحدي الأول أمام الغفران هو " ضعف الإيمان

   وهذا ما قصده بطرس عندما سأل الرب يسوع " يارب كم مرة يخطئ إلىّ أخي وأنا أغفر له ؟ هل إلى سبع مرات ؟ وكأن بطرس يحاول أن يضع عدداً وحداَ لمرات الغفران ، فلقد كان بطرس يظن أنه يقدم عرضاً رائعاً للغفران بحسب الفكر اليهودي، لكنه فوجئ بالرب يسوع يرد عليه قائلاً : " لا أقول لك إلى سبع مرات بل إلى سبعين مرة سبع مرات ". وهذا يعني أن يصبح الغفران عادة متأصلة في أعماقنا، بل أسلوب حياتنا، وهذا هو الإيمان المسيحي الذي يعطينا الغفران الذي بلا حدود أو قيود.   

 

2.    الذات والأنا:-

   إن السر الذي يكمن وراء الخصام في معظم الأحيان هو الذات والأنا ، فمن الغريب أن ترسم لنا ريشة الوحي المقدس صورة مشاجرة بين التلاميذ ،ففي إنجيل لوقا (لو22: 24- 27) مكتوب " وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ أَيْضًا مُشَاجَرَةٌ مَنْ مِنْهُمْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَر"َ.ولذلك يمكننا القول: إن التواضع والانتصار على الأنا هو سر السلام.

    أما الكبرياء فمن أول وأكبر المعطلات في طريق الغفران ،فيقول الكتاب في سفر الأمثال في (أم13: 10) " اَلْخِصَامُ إِنَّمَا يَصِيرُ بِالْكِبْرِيَاءِ " وفي (أم28: 25) " اَلْمُنْتَفِخُ النَّفْسُ يُهَيِّجُ الْخِصَامَ"  فالذات والأنا تقود إلى العناد بين الطرفين، وتجعل إي طرف يرفض وبشدة أن يأخذ خطوة إيجابية على طريق الغفران .

فالشخص المتكبر يتوهم أنه على صواب مائة في المائة ، والآخر مخطئ تماماً، بينما الغفران يحتاج إلى تواضع حقيقي ، فيدرك الواحد أن رأيه وإن كان صواباً لكنه يحتمل الخطأ ، ورأي الغير وإن كان خطأ إلا أنه يحتمل الصواب.

المتكبر يتهم الآخر بأنه سبب المشكلة ، أما المتواضع فيعترف أن عليه جزء من اللوم ، وأنه شريك في صناعة المشكلة ،على الأقل أنه لم يستطع أن يلتمس أي عذر للآخر، ولم يستطع أن يستوعب ضعفات وسلبيات الآخر.

 إن الشخص المتكبر يخشى أن يأخذ خطوات على طريق الغفران لئلا يصفه البعض بالضعف ، فمن المفاهيم السائدة ، أن من يسعى إلى الغفران هو الشخص الأضعف ،الغير قادر على الانتقام، لكننا نرى في شخص الرب يسوع روعة الغفران حيث أنه غفر لصالبيه في الوقت الذي فيه كان يستطيع أن ينتقم.

 

3.  عدم المصداقية في تصفية الخلافات:-

     في مرات عندما يتقدم المسيء ليعاتب ويعتذر للمُساء إليه، نجد المُساء إليه بدلاً من أن يقبل الاعتذار ، ويدخل مع المسيء في حوار صادق لتصفية الأجواء ، وفتح صفحة جديدة من العلاقات، نجده يقول للمسيء.

ياه ... لقد نسيت هذا الأمر تماماً ... لا توجد مشكلة ... الموضوع انتهى من زمان ... في الحقيقة الذي يتجه إلى مثل هذا الأسلوب ، هو شخص غير صادق مع نفسه ومع الآخر ، فهو يُظهر بعكس ما يبطن ، أنه يَدعّى أن كل شيء على ما يرام ، وهو في الواقع يعاني من جروح غائرة داخل نفسه .. إنه شخص أقل ما يقال عنه أنه كاذب ومخادع كما يقول الحكيم في (أمثال10: 18) " مَنْ يُخْفِي الْبُغْضَةَ فَشَفَتَاهُ كَاذِبَتَانِ" ، وهنا نجد أن إظهار مشاعر كاذبة وغاشة من أكبر المعوقات في طريق الغفران  لهذا يقول الحكيم " أَمِينَةٌ هِيَ جُرُوحُ الْمُحِبِّ، وَغَاشَّةٌ هِيَ قُبْلاَتُ الْعَدُوِّ"(أم27: 6).

إنما الطريق إلى الغفران هو أن نعيش ما قاله الرسول بولس في (رو12: 9) " اَلْمَحَبَّةُ فَلْتَكُنْ بِلاَ رِيَاءٍ". ففي العتاب لابد أن يتحلى كل طرف بالصدق، وإلا أصبح العتاب عبارة عن تمثيلية ، أو صورة من صور الغش والخداع ،فعلى كل طرف أن يعبر عن جراحه بمنتهى الصدق والشفافية، وبكلمات معبرة تماماً عما يحس به تجاه الآخر، حتى يتمكنا من تجاوز الماضي ،والتغاضي عنه ،والبداية من جديد.

4. الإحساس بالهزيمة والخسارة :-

    عندما تسيطر على شخص مشاعر الإحساس بالهزيمة والخسارة التي سببها له خصمه، هذه المشاعر تعيق عملية الغفران فتجد الشخص لا يرى إلا الجراح التي يتأوه منها ،ويلقى باللوم على مَنْ أهانه أو ظلمه أو جرحه ، فهو لا يستطيع أن يلتمس له العذر ، ويرى نفسه بريء ومظلوم ، ويرى الآخر أنه ظالم ومتعسف ومفتــري . هذه المشاعر السلبية تشل إرادة وعزيمة المساء إليه ،فلا يستطيع أن يتقدم خطوة على طريق الغفران .

في مرات عندما يُُطلب من المُساء إليه أن يغفر ، فيعلن أنه غير قادر على الغفران ، لأن الإساءة بالغة ، والجرح عميق، بالرغم أن الذي يفكر بموضوعية ورؤية إيمانية ربما يصل إلى القناعة بأن المسيء شخص مثل المريض الذي يحتاج إلى معاملة خاصة، فقد يكون المسيء ضعيف روحياً ، أو مضغوط نفسياً ،أو محتاج  مادياً ، ولذلك فهو في حاجة إلى مَنْ يعامله بأسلوب خاص بكل رقة ومحبة فالمحبة كما يقول الرسول بولس عنها : " َلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ ... اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا".(1كو13: 5).

 

5. تسويف وتأجيل حل المشكلة:-

إن التسويف والتأجيل في حل المشكلة يزيدها تعقيداً ، فكلما استمرت المشكلة ازداد عدد مَنْ يعرفون بها ، وأصبحت قابلة ،للقيل والقال، للتفسيرات والتأويلات المختلفة للإضافة والحذف ، وهذا يؤدي إلى ترسيخ المشكلة ، وزيادة رقعتها، وهناك مَنْ يظن أن عامل الزمن كفيل بحل الكثير من المشكلات ، إنما الواقع يعلمنا أن مرور الأيام لا يضعف المشكلة بل يضاعفها ، وكلما مرت الأيام على المشكلة ازدادت القطيعة بين المتخاصمين ، وترسبت وترسخت مشاعر مريرة بين الطرفين ، فمما لا شك فيه أن محاولة نسيان المشكلة ، أو الهروب منها ليس هو الحل ، إنما الحل في مواجهتها وتصفيتها وإنهائها في أسرع ما يمكن ، وهذا يفسر قول الرسول بولس في (أف4: 26- 27)" لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ، وَلاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَانًا".  

   

خامساً : بركات الغفران:-

1. الحياة الآمنة الهادئة :-

بلاشك مَنْ يعيش في خصام وصراع مع الآخرين ، يعيش في صراع وإضطراب مع نفسه ،ولا يعرف معنى الهدوء والأمان ففي(1بط3: 10، 11).«مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحِبَّ الْحَيَاةَ وَيَرَى أَيَّامًا صَالِحَةً، فَلْيَكْفُفْ لِسَانَهُ عَنِ الشَّرِّ وَشَفَتَيْهِ أَنْ تَتَكَلَّمَا بِالْمَكْرِ، لِيُعْرِضْ عَنِ الشَّرِّ وَيَصْنَعِ الْخَيْرَ، لِيَطْلُبِ السَّلاَمَ وَيَجِدَّ فِي أَثَرِهِ ".

وهذا ما تؤكده كلمة الله في (تك4: 8- 14) لقد استولى الرعب على قايين، وسيطر عليه الفزع والهلع بعدما قتل هابيل، فلقد عاقبه الله بالقول " تَائِهًا وَهَارِبًا تَكُونُ فِي الأَرْضِ». والكلمة العبرية المترجمة " تَائِهًا" تشير في الأصل إلى حالة التردد والاضطراب والضياع التي تصاحب الإنسان الحائر الذي لا يعرف إلى أين يتجه ،وهذا واضح من صيحة قايين المُرة «ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ...، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي».والكلمة " ذَنْبِي " جاءت في بعض الترجمات " عقابي " والواقع أن قايين كان في رعب من العقاب أكثر من إحساسه بالجرم ، وهذا واضح أيضاً من قوله . " فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي " وأين يوجد هذا القاتل الذي يقتله والأرض لم تُعمر بعد ؟! أهو الخوف من الوحوش كما يقول البعض من المفسرين ؟ أهو الخوف من المستقبل حين تأتي ذرية أخرى من آدم تثأر منه؟! ،أو هو الخوف من أن يفعل أبناؤه به كما فعل هو بأخيه؟! ، لا ندرى ، كل ما ندريه أن قايين كان صريع الأرق والوساوس والمخاوف من أي شيء حوله ، هكذا كل مَنْ يقتل الآخر لا يمكن أن ينعم بالهدوء والسلام.

ياه ! شتان الفرق بين ما جاء في ( تك ص32 وتك ص 33). وريشة الوحي ترسم لنا يعقوب وهو في طريق العودة من عند خاله لابان، والأوهام والمخاوف تسيطر عليه بسبب عداوة أخيه عيسو، ويبدو هذا عندما أرسل يعقوب رسلاً قدامه إلى عيسو أخيه إلى أرض سعير بلاد أدوم ،فرجع الرسل إلى يعقوب قائلين : «أَتَيْنَا إِلَى أَخِيكَ، إِلَى عِيسُو، وَهُوَ أَيْضًا قَادِمٌ لِلِقَائِكَ، وَأَرْبَعُ مِئَةِ رَجُل مَعَهُ». فَخَافَ يَعْقُوبُ جِدًّا وَضَاقَ بِهِ الأَمْرُ، فَقَسَمَ الْقَوْمَ الَّذِينَ مَعَهُ وَالْغَنَمَ وَالْبَقَرَ وَالْجِمَالَ إِلَى جَيْشَيْنِ.(تك32: 6، 7) ويظهر هذا أيضاً من صلاة يعقوب في (تك32: 9- 11)وَقَالَ يَعْقُوبُ: «يَا إِلهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَإِلهَ أَبِي إِسْحَاقَ، الرَّبَّ الَّذِي قَالَ لِيَ: ارْجعْ إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى عَشِيرَتِكَ فَأُحْسِنَ إِلَيْكَ.صَغِيرٌ أَنَا عَنْ جَمِيعِ أَلْطَافِكَ وَجَمِيعِ الأَمَانَةِ الَّتِي صَنَعْتَ إِلَى عَبْدِكَ. فَإِنِّي بِعَصَايَ عَبَرْتُ هذَا الأُرْدُنَّ، وَالآنَ قَدْ صِرْتُ جَيْشَيْنِ.نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي، مِنْ يَدِ عِيسُوَ، لأَنِّي خَائِفٌ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَضْرِبَنِي الأُمَّ مَعَ الْبَنِينَ".

أما عندما نأتي إلى (تك33) نجد الصورة تختلف تماماً فيذكر الوحي في (تك33: 4) " فَرَكَضَ عِيسُو لِلِقَائِهِ وَعَانَقَهُ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ، وَبَكَيَا".، وفي الحوار الذي دار بينهما في (تك33: 9- 12).فَقَالَ عِيسُو: «لِي كَثِيرٌ، يَا أَخِي. لِيَكُنْ لَكَ الَّذِي لَكَ». فَقَالَ يَعْقُوبُ: «لاَ. إِنْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ تَأْخُذْ هَدِيَّتِي مِنْ يَدِي، لأَنِّي رَأَيْتُ وَجْهَكَ كَمَا يُرَى وَجْهُ اللهِ، فَرَضِيتَ عَلَيَّ.خُذْ بَرَكَتِي الَّتِي أُتِيَ بِهَا إِلَيْكَ، لأَنَّ اللهَ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيَّ وَلِي كُلُّ شَيْءٍ». وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فَأَخَذَ.ثُمَّ قَالَ: «لِنَرْحَلْ وَنَذْهَبْ، وَأَذْهَبُ أَنَا قُدَّامَكَ». وفي ختام الإصحاح نقرأ في (تك33: 18)." ثُمَّ أَتَى يَعْقُوبُ سَالِمًا إِلَى مَدِينَةِ شَكِيمَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، حِينَ جَاءَ مِنْ فَدَّانِ أَرَامَ. وَنَزَلَ أَمَامَ الْمَدِينَةِ".  وهنا شعر يعقوب بالسلام. نعم ! الغفران يجعل الإنسان يتمتع بالهدوء والسلام.

2. الحياة الناجحة:-

في الحقيقة أن مَنْ يترك نفسه لمشاعر الكراهية والخصام ويدخل في خلافات وصراعات يهدر وقته في الرد على الحاقدين والناقمين والفاشلين ، وأصحاب النفوس المريضة الضعيفة ، ومَنْ يضيع وقته ، تضيع حياته بلا جدوى ولا ثمر .

ما أجمل نموذج نحميا وهو يقابل إستهزاء وسخرية سَنْبَلَّطُ الْحُورُونِيُّ وَطُوبِيَّا الْعَبْدُ الْعَمُّونِيُّ وَجَشَمٌ الْعَرَبِيُّ بالغفران ففي مرة اتهموه ومَنْ معه بأنهم يتمردون على الملك » فقال" إِلهَ السَّمَاءِ يُعْطِينَا النَّجَاحَ، وَنَحْنُ عَبِيدُهُ نَقُومُ وَنَبْنِي». ، وفي مرة أخرى قالوا «إِنَّ مَا يَبْنُونَهُ إِذَا صَعِدَ ثَعْلَبٌ عليه فإنه يهدمه " (نح4: 3) وفي كل مرة كان نحميا يرد عليهم بالإنجاز ، لم يدخل معهم في صراعات تضيع وقته وتبعده عن الهدف ، فلقد كانت الجماعة يد تبني ويد تمسك السلاح ، ويقول نحميا في (نح4: 6) " فَبَنَيْنَا السُّورَ وَاتَّصَلَ كُلُّ السُّورِ إِلَى نِصْفِهِ وَكَانَ لِلشَّعْبِ قَلْبٌ فِي الْعَمَلِ " . ولما فشلت كل محاولاتهم السابقة أرسلوا إليه لكي يجتمعوا به في منطقة إسمها " أونو" بحجة التحاور والتشاور معه،ولكنهم بخبث كانوا يريدون قتله هناك ، ولكن نحميا رد عليهم رداً رائعاً وقاطعاً إذ قال لهم " إِنِّي أَنَا عَامِلٌ عَمَلاً عَظِيمًا فَلاَ أَقْدُِرُ أَنْ أَنْزِلَ، وَأَرْسَلواَ إليه  بِمِثْلِ هذَا الْكَلاَمِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وكان يجاوبهم بِمِثْلِ هذَا الْجَوَابِ ". وهو يعتذر بذكاء وبرقة حتى لا يتعطل العمل ، ورفض أن يضّيع وقته في معارك جانبيه.(نحميا6: 2- 4).

3. الحياة الشاهدة:-

ترسم لنا ريشة الوحي المقدس في سفر (التكوين25، 26) صورة من صور ذكريات اسحق عندما استقر في جرار بحسب أمر الرب وسادت البلاد مجاعة كبيرة جداً (تك26: 1)  " وَزَرَعَ إِسْحَاقُ فِي تِلْكَ الأَرْضِ فَأَصَابَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِئَةَ ضِعْفٍ، وَبَارَكَهُ الرَّبُّ. فَتَعَاظَمَ الرَّجُلُ وَكَانَ يَتَزَايَدُ فِي التَّعَاظُمِ حَتَّى صَارَ عَظِيمًا جِدًّا. فَكَانَ لَهُ مَوَاشٍ مِنَ الْغَنَمِ وَمَوَاشٍ مِنَ الْبَقَرِ وَعَبِيدٌ كَثِيرُونَ. فَحَسَدَهُ الْفِلِسْطِينِيُّونَ ".(تك26: 12- 14).وبسبب هذا الحسد والحقد نقرأ في (تك26: 15) "وَجَمِيعُ الآبَارِ، الَّتِي حَفَرَهَا عَبِيدُ أَبِيهِ فِي أَيَّامِ إِبْرَاهِيمَ أَبِيهِ، طَمَّهَا الْفِلِسْطِينِيُّونَ وَمَلأُوهَا تُرَابًا ". وبالرغم من أن الآبار في تلك الأيام كانت تعتبر من أهم الموارد المائية " لكنه لم يحاربهم ، وإنما رفع قضيته إلى الله ، فباركه الله أكثر.

استمر الفلسطينون في عنفهم وتعنتهم مع اسحق فقاموا بطرده فمكتوب في (تك26: 16، 17) وَقَالَ أَبِيمَالِكُ لإِسْحَاقَ: «اذْهَبْ مِنْ عِنْدِنَا لأَنَّكَ صِرْتَ أَقْوَى مِنَّا جِدًّا». فَمَضَى إِسْحَاقُ مِنْ هُنَاكَ، وَنَزَلَ فِي وَادِي جَرَارَ وَأَقَامَ هُنَاكَ.

ياه ! كم هو مؤلم واسحق يتمتع بالإستقرار ونجاح الاستثمار ، يجد مَنْ يقوم بطرده ، لكنه بكل هدوء وبدون أي منازعة ترك اسحق جرار ونزل إلى وادي جرار وأقام هناك ، وكان كلما حفر بئراً يطمع فيه أهل جرار ، حاولوا استفزازه بكل طريقة ،وجره إلى الحرب معهم أكثر من مرة ، إلا أن اسحق كان رجل سلام يرد على العنف باللطف، ويرد على العدوان بالغفران .

نعم ! لقد استطاع اسحق بمحبته وغفرانه أن يؤثر في أعدائه ، ويكون شهادة حية قوية لهم، وهذا واضح من شهادة الأعداء، فنقرأ في (تك26: 26- 29)" وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ جَرَارَ أَبِيمَالِكُ وَأَحُزَّاتُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِيكُولُ رَئِيسُ جَيْشِهِ. فَقَالَ لَهُمْ إِسْحَاقُ: «مَا بَالُكُمْ أَتَيْتُمْ إِلَيَّ وَأَنْتُمْ قَدْ أَبْغَضْتُمُونِي وَصَرَفْتُمُونِي مِنْ عِنْدِكُمْ؟» فَقَالُوا: «إِنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا أَنَّ الرَّبَّ كَانَ مَعَكَ، فَقُلْنَا: لِيَكُنْ بَيْنَنَا حَلْفٌ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَنَقْطَعُ مَعَكَ عَهْدًا: أَنْ لاَ تَصْنَعَ بِنَا شَرًّا، كَمَا لَمْ نَمَسَّكَ وَكَمَا لَمْ نَصْنَعْ بِكَ إِلاَّ خَيْرًا وَصَرَفْنَاكَ بِسَلاَمٍ. أَنْتَ الآنَ مُبَارَكُ الرَّبِّ».

حقاً ! هذه هي فاعلية حياة الإيمان والغفران إذ نرى الأعداء الأشداء يأتون إلى إسحق ويطلبون منه أن يسامحهم ويقطع معهم عهداً ، وأكثر من هذا نرى الشعوب الوثنية التي لا تعرف شيئاً عن الله يقولوا لاسحق " «إِنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا أَنَّ الرَّبَّ كَانَ مَعَكَ،"  أنت الآن مبارك الرب .

كما أن الجدير بالملاحظة أيضاً هو عندما ينتهى الوحي من رصد قصة استشهاد استفانوس في (أع ص7) يسجل الوحي " وكان شاول راضياً بقلته " ذهب البعض من المفسرين بخيالهم الواسع أن ذلك الحدث كان بمثابة الزلزال الذي زلزل أعماق الطرسوسي ، وكان السبب في مجيئه للرب، فلقد كان وجه استفانوس الذي كان يشع بالنور عند استشهاده، يطارد شاول الطرسوسي بإستمرار، ولعله يوماً تسائل لماذا يقبل استفانوس أن يموت من أجل المسيح؟! ، ولماذا وجهه يشع بالنور وكأنه ملاك؟! ولماذا يطلب الغفران لراجميه ؟!، ولماذا يشعر بالسلام وهو يفارق الحياة ؟! وغيرها من الأسئلة . تخيل ... لو أن إستفانوس طلب لراجميه النقمة ، أو تفوه بكلمات تعبر عن غضبه ، هل كان المشهد سيؤثر في الطرسوسي؟ أي نعم ! اختبار الطرسوسي وقصة رجوعه مدونة في سفر الأعمال ، لكن تبقى الحقيقة التي لا يشوبها أدني شك وهي أنه بحياة الغفران يمكن أن نقود الناس إلى حياة الإيمان.

 ففي يقيني أنه عندما يسمح الله لشخص ما أن يسيء إلينا، إنما هو يأتمنا ويشاركنا مسئولية تغيير ذلك الشخص ، بإظهار محبة الله له ،والعكس صحيح فحياة الخصام تعجز عن قيادة أي إنسان ليختبر محبة وغفران الله .

4. التعاون والبنيان :-

  الذي يعيش الخصام ويفكر في الانتقام، لابد وأنه سيحصد خسارة فادحة ، فمَنْ يدخل في حرب مع غيره  سيخسر حتى لو انتصر عليه ، ففي الحرب يخسر كل طرف ، فقط أن المنتصر خسارته أقل من المهزوم ، ولذلك هناك مثل صينى يقول " من يختار الانتقام يجب أن يحفر قبرين " ولعل هذا يفسر ما قاله الرسول بولس في (غلا5: 15)" فَإِذَا كُنْتُمْ تَنْهَشُونَ وَتَأْكُلُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَانْظُرُوا لِئَلاَّ تُفْنُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا".

أما في حياة الغفران فبدلاً من أن كل واحد يفكر في هدم الآخر وتحطيمه ، يضع الواحد يده في يد الآخر ويكونا سبب بركة لبعضهما  البعض ، وهذا ما قصده الرسول بولس وهو يقول في (رو14: 19) " فَلْنَعْكُفْ إِذًا عَلَى مَا هُوَ لِلسَّلاَمِ، وَمَا هُوَ لِلْبُنْيَانِ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ". ولعل هذا ما قصده إبراهيم من قوله إلى ابن أخيه لوط ، عندما حدثت مخاصمة بين الرعاة " «لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ". ونرى بركة السلام بينهما عندما نقرأ في (تك14) عن لوط عندما تم سبيه وسلب الأعداء أملاكه ، نقرأ أن إبرام تدخل واستطاع أن يسترجع لوط ويسترجع له الأملاك (تك14: 16).

والسؤال : ماذا لو كان لوط دخل في خصام مع إبراهيم ، وانقطعت العلاقة بينهما ؟!

ولعل هذا ما قصده يوسف عندما قال لإخوته«لاَ تَتَغَاضَبُوا فِي الطَّرِيقِ ...».(تك45: 24).

نعم ! لقد علمتنا الأيام أن الإتحاد قوة وبركة ، أما الخصام فهو علامة ضعف ، وليس من ورائه إلا الخسارة.    

 

5.    الإحساس بالسعادة بحفظ وصاياه الله:-

عندما نعيش وصايا الرب بصفة عامة ، ونطبق تعاليمه بشأن الغفران بصفة خاصة نشعر بسعادة تغمر قلوبنا لأننا نحفظ وصاياه ، ونطبقها في حياتنا.

 كيف لا ! ألم يقل المرنم في (مز112: 1) "هَلِّلُويَا. طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَّقِي الرَّبَِّ، الْمَسْرُورِ جِدًّا بِوَصَايَاهُ". وفي (مز119: 35و 162) يقول " دَرِّبْنِي فِي سَبِيلِ وَصَايَاكَ، لأَنِّي بِهِ سُرِرْتُ ".أَبْتَهِجُ أَنَا بِكَلاَمِكَ كَمَنْ وَجَدَ غَنِيمَةً وَافِرَةً ".والذي يزيد سروره أنه في ناموس الرب مسرته، وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً ، وكلمة " يلهج " في اللغة العبرية تعني " الإجترار "  مثل الجمل بعد ما يأكل ، يجتر ما أكله على مهل ، مستمتعاً بما سبق وأكله على عجل ، والمؤمن يلتهم كلمة الله مسروراً بها ، ثم بعد ذلك يلهج فيها ، يستعيدها في عقله وقلبه ويتأملها ، يحلل معانيها ويعمل على تطبيق ما فيها في حياته اليومية بكل سرور، وشعاره "  أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ، وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي».(مز40: 8) ويقول (أرميا15: 16)" وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي، ". ولا شك أن تصرفاتنا تتشكل بما تتغذى به عقولنا، فالفكر يشكل السلوك ، فإذا قرأنا أخباراً مزعجة انزعجنا، وإذا قرأنا عن حوادث مؤلمة تألمنا ، وإذا قرأنا كتباً دنسه هاجمتنا التجارب الدنسة ، أما إذا قرأنا كلمة الله وجعلناها موضوع سرورنا المتزايد فإنها تشجعنا على التقوى ومخافة الله وحفظ وصاياه ، وأمكنا أن نعيش قيمة التسامح والغفران فمكتوب في (مز119: 165) " سَلاَمَةٌ جَزِيلَةٌ لِمُحِبِّي شَرِيعَتِكَ"، وإشعياء يسجل قول الرب "  لَيْتَكَ أَصْغَيْتَ لِوَصَايَايَ، فَكَانَ كَنَهْرٍ سَلاَمُكَ " (إش48: 17، 18).   

 

 

 

 

صـــــلاة:-

يـــارب ســامحني :-

Uلأنني لم أستطع يوماً أن أصلي من أجل عدوى، وكان هذا الأمر سر تعطيل البركة لحياتي.

Uلأنني لم أستطع أن أغفر وأن أسامح عدوي.

Uلأنني أحسست يوماً بالفرح والشماتة عندما فشل عدوي.

Uلأنني شعرت يوماً بالضيق عندما نجح عدوي.

Uلأنني لم أستطع أن أشارك عدوي في أفراحه ولا أن أشاطره أحزانه.

Uلأنني احتفظت بمرارة في داخلي تجاه عدوي.

Uلأنني كنت أنتظر الفرصة وأبحث عن الطريقة التي فيها أنتقم من عدوي وأشفي غليلي .

Uلأنني كتمت غيظي ولم أعبر عن ضيقي وغضبي من عدوي، فتحول الغيظ إلى حقد دفين، وكراهية شديدة.

Uلأنني في مرات كنت أقابل عدوي بإبتسامة حلوة وأحتضنه وأقبله، وفي نفس الوقت أحاول أن أطعنه من الخلف.

يــارب علـمنــي:-

Vكيف أسامح مَنْ أساء إلىّ ، ومَنْ بحقي قد أستباح.

Vوعلمني كيف أغفر كما غفرت أنت لصالبيك.

Vوعلمني قبل أن أقدم قرباني على المذبح أن أذهب أولاً وأصطلح مع عدوي.

Vعلمني ربي أن حب الانتقام منهج الضعفاء، أما الغفران فهو أسلوب الأقوياء. آمين ... آمين.