القائمة الرئيسية

ابحث في الموقع

التسجيل

عدد الزائرين

free counters
 

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 102 زائر متصل
الرئيسية

كنيسة العصور الوسطى وضرورة الإصلاح الإنجيلي

ليس سهلاً إيجاز حقبة طويلة في تاريخ العالم والكنيسة في سطور، فليعذرنا دارسو التاريخ إذ لم نتوسع في سرد الأحداث مكتفين بالإشارة إلى بعض النقاط الأساسية الضرورية لتسلسل الفكر دون الخوض في التفاصيل.

1-  كانت سلطة تزداد تدريجياً، وكذا ثروتها وممتلكاتها، فما أن جاء القرن الحادي عشر حتى كانت الكنيسة قد وصلت إلى قمة السلطة الدينية والدنيوية، فقد كان الأسقافة أصحاب سلطة دينية ومدنية على المقاطعات والدوقيات التي تتبع لهم، وبعد أن كان الملوك والأباطرة يعينون الأساقفة، انتزع البابا هذا الحق من الملوك، بل استطاع بابا روما أن يفرض سلطانه على الإمبراطور نفسه.

2-  هذه السلطة الرهيبة لم تجعل الكنيسة قوية، بل بالعكس أضعفتها، فصار الناس يتنافسون للحصول على الوظائف الكهنوتية بمختلف درجاتها، ويشترونها بالمال والرشوة دون أن تكون لهم أية رسالة روحية أو ميول دينية وعاش رجال الدين حياة خليعة مستهترة أنانية، كل اهتمامهم محصور في المحافظة على سلطتهم وحقوقهم وامتيازاتهم الاجتماعية والمادية، بل كان منهم من يسعى ليحتل أكثر من وظيفة لينال إيرادات أكبر، ويعين أناساً أشراراً ليقوموا بعمله، وابتدأ الناس يحتقرون الكهنة ويكرهونهم، ومع ذلك كانوا يخافونهم لأنهم تحت سلطتهم، ومن يقرأ الأدب المعاصر بتلك الحقبة من الزمن يشعر بالنقد اللاذع والهجوم الشديد على مخازي الكهنة والأساقفة والرهبان في الأديرة.

3-  كان طبيعياً والحال هكذا أن تنحط الديانة وينعدم التعليم الديني للشعب، فانحصرت الديانة في الطقوس التي يُعزى إليها الخلاص بكيفية أشبه بالسحر، وفي الصلوات إلى أروح العذراء والقديسين بغية نوال بركاتهم والخوف من لعنة الكهنة، والأرواح الشريرة، والاتكال على الأحجبة والتعاويذ وذخائر القديسين لتخليص الناس من العذاب، وصار الشعب دون رعاية روحية.

4-  لكننا ونحن نشير إشارات عابرة إلى هذه الحالة المخجلة، لا ينبغي أن نغفل الخدمة التي قامت بها كنيسة العصور الوسطى رغم ضعفها وفتورها، إن الإنجيليين مجربون أن يلتفتوا إلى العيوب التي كانت كنيسة العصور الوسطى وينسوا أن تلك رغم أخطائها هي التي حفظت الإيمان المسيحي عبر الأجيال، إن الله لم يترك نفسه بلا شاهد في ذلك الزمان، فقد كان في الكنيسة أتقياء وقديسون من المؤمنين المتعبدين، ومن النسَّاك والرهبان الزاهدين الذين سحرتهم كلمة الله وبشارة الإنجيل فدرسوها وتذوقوها وكتبوا عنها.

5-  ومن مآثر الكنيسة في العصور الوسطى أنها وحدَّت أوربا فترة من الزمن بعد انهيار الدولة الرومانية التي كانت عامل الوحدة من قبل، ولولاها لتفرقت أوربا إلى جماعات بربرية غير متحضرة بسبب هجمات البرابرة، لكن الكنيسة بسلطانها الشامل أخذت هؤلاء البرابرة وهذبتهم وبالرغم من الضعف الخلقي الذي ساد قياداتها لكنها غرست في الناس من بذور الأخلاق ما أمكن أن يستمر فيهم، .. ولعدة قرون في أوربا كادت الكنيسة تكون هي المصدر الوحيد للتعليم، فأغلب مفكري العصور الوسطى من كهنتها، إن العناية الإلهية جعلت الكنيسة رغم أخطائها عاملاً في حفظ المسيحية والحضارة، إلى أن أمسكت خيوط العناية بعوامل أخرى في عصر النهضة الفكرية والعلمية لتكون أدوات أخرى لاستمرار الحضارة ودفع عجلة التقدم والفكر.

طلائع الإصلاح الإنجيلي

1-  أن جذور الفكر الإنجيلي كانت في الكنيسة منذ نشأتها ولم تفارقه لحظة، وإن كان نورها قد خفت قليلاً أو صار باهتاً، لكنه كان موجوداً، ونستطيع أن نجد آثار هذا الفكر في أقوال وكتابات آباء الكنيسة وقادتها الذين درسوا الإنجيل وتأثروا به، وحاولوا إصلاح الكنيسة من الداخل، ونذكر منهم القديس برنارد (1090- 1153)، الذي كان في حديثه وديعاً لكنه استطاع أن يوبخ البابوات والملوك لأجل إهمالهم واجباتهم، ومن هؤلاء أيضاً دومينيك الأسباني (1170- 1221)، الذي اشتهر بالوعظ والكرازة للوثنيين، ومن الأبطال الروحيين الذين أخرجتهم كنيسة العصور الوسطى، القديس فرنسيس الأسيزي (1182- 1226)، الذي كان من أسرة غنية في وسط إيطاليا وأثناء شبابه المستهتر رجع بفكره إلى الله فتحول تماماً إلى إنسان متفان في خدمة الله والناس.

2-  على أنه ينبغي أن نذكر أن أمثال هؤلاء الأبطال كانوا قلة في الكنيسة ولم تصل أفكارهم ورسالتهم إلى القاعدة العريضة لشعب الكنيسة، فلقد كانت المسيحية في نظر غالبية الشعب المسيحي في العصور الوسطى هي ديانة الخوف، .. إن الله الذي قدمته كنيسة العصور الوسطى للناس هو إله الدينونة الغاضب على شر الناس والذي ينبغي على الناس لكي يتقوا غضبه عليهم أن يطيعوا أوامر كنيسته التي أعطاها سلطانه على الأرض.

3-  كان بعض المخلصين والمستنيرين في الكنيسة يحاولون إصلاح الكنيسة، وكانوا يطالبون بعقد المجامع الكنسية لبحث حالة الكنيسة ووضع خطة لإصلاحها، لكن هذه المجامع فشلت في الإصلاح، ونذكر على سبيل المثال من هذه المجامع: المجمع الذي عقد في مدينة بيزا عام 1409، مجمع كونستانس، ومجمع بازل (1431- 1449).

4-  ظهر في انجلترا في القرن الرابع عشر مصلح عظيم هو جون ويكليف الذي عُرف بلقب نجمة الصباح، الذي أسس حركة اللولاردز، وهذا اللقب أطلق على أتباع ويكليف من كلمة تعني الترنيم والتسبيح، لأن هذه الجماعة كانت ترتب مرنمين يرتلون للمرضى وهم على أسرة مرضهم، وقد اشتهر ويكليف بالوعظ والترجمة والتأليف، وقد دعا الكنيسة أن تعود إلى رشدها لتحقق أهدافها الأصيلة، ثم وجه ضربة قاسية للكنيسة بإنكاره حق البابا أن يأخذ جزية من أنجلترا، ودعا إلى رفض البابوية وأنكر الرتب الكهنوتية، وظل يكتب ويعظ حتى مات عام 1384.

5-  في بوهيميا في وسط أوربا ظهر جون هيس، الذي تأثر بكتابات ويكليف، ومن ثم اصطدم بالكنيسة وندد بنوع الحياة المستبيحة التي كان الكهنة يعيشونها، وفي عام 1410 أمر رئيس أساقفة براغ بإحراق كتبه، لكنه لم يتوقف عن الكتابة فكتب كتاباً شهيراً هو "ناموس المسيح" ذكر فيه أن العهد الجديد كاف لإرشاد الكنيسة وأن المسيحيين غير ملتزمين بطاعة البابا إلا في التعاليم التي تتفق مع ناموس المسيح. وعلى آثر ذلك أدين وتم إحراق كتبه وملابسه على مشهد منه، ثم أشعلت النيران فيه وهو يترنم باسم المخلص يسوع المسيح، وبعد حرقه نثر رماده في مياه نهر الراين.

6-  ظهر في مدينة فلورنسا بإيطاليا راهب ثائر هو سافونارولا، وقد قام رسالة أخلاقية مصلحة، وأراد ن يطهر مدينة فلورنسا وإيطاليا والكنيسة من الفساد، وكان يواجه الحكام والعظماء بشجاعة قائلاً: "إن أردتم حكومة جيدة أطيعوا الله"، وقد واجه سافونارولا البابا الكسندر السادس وأمر البابا بإحراق سافونارولا هو وإثنين من أتباعه ورفقائه الرهبان.

7-  جاء بعد ذلك المصلح العظيم مارتن لوثر (1483- )، الذي درس القانون والخطابة والموسيقى وغير ذلك من العلوم السائدة في عصره قبل أن يقرر الرهبنة ويلتحق بالدير، وهكذا بدأت علاقة لوثر بالدين والكنيسة، وكان لوثر بطبيعته مفكراً وفيلسوفاً، رقيق الإحساس، وقد تأثر لوثر بموت صديق له بمرض خطير، ثم اغتيال صديق آخر له، مما جعله يتساءل: ما هو مصيري لو فارقت الحياة؟ وبعد أن أنهى لوثر دراسته للدكتوراة كانت تستوقفه دائماً الآيات التي تتحدث عن بر الله، حتى اختبر تبرير الله لحياته، فتبدل حاله، وأصبح إنساناً جديداً، وبعد اكتشافه لحقيقة التبرير بالإيمان ظل يعظ بكلمة الله دائماً مجدداً في فكره، مقنعاً في منطقه، واستأثرت كلمة الله في قلوب الناس وذاع صيته، وبعدما توسع البابا في إصدار ما يعرف بصكوك الغفران، انزعج لوثر لهذا الأمر واعتبر أن ما يقدمه البابوات من صكوك الغفران خلاصاً رخيصاً يشترى بالدراهم، وليس خلاصاً ثميناً كلف المسيح حياته، لذلك كتب لوثر 95 قضية يهاجم بها بيع صكوك الغفران وعلقها على باب كنيسة وتنبرج في يوم 31 أكتوبر 1517م، وتلى مارتن لوثر، المصلح العظيم جون كلفن (1509- 1564)، والذي يًعتبر من أعظم قادة الإصلاح وهكذا بدأ إعلان عصراً جديداً للكنيسة هو ما نُطلق عليه عصر الإصلاح، الذي يمكننا أن نلخص مبادئه في الأفكار الآتية:

مبادئ الفكر الإنجيلي     

1- المبدأ الأول: سمو سلطان الكتاب المقدس، وحق كل مؤمن في قراءته وتفسيره، فقد كانت الكنيسة القديمة لا تسمح لغير الكهنة بقراءة الكتاب المقدس، وكان هؤلاء يقرأونه باللغة اللاتينية، وقد أكد الإنجيليون على حق كل إنسان في قراءة الكتاب المقدس بلغته التي يفهمها، إن مرجع الإنجيليين الوحيد هو الكتاب المقدس، باعتباره القانون الوحيد المعصوم للإيمان والأعمال، ولا ينكر الإنجيليون أن التقليد يلعب دوراً هاماً في حياة الناس، وجميع الأديان لديها مع الكتب المقدسة نوعاً من التقليد تفسر الوحي، لكن الإنجيليون يدرسون التقليد كنوع من التاريخ، ويرون أن بعض التقاليد تفسر الوحي لكنها لا تتممه. أي أن الكتاب المقدس كامل وهو وحده أساس العقيدة والسلوك؛ بقي أن نذكر أن هذا الحق وهذه الحرية في تفسير الكتاب المقدس لا تنكر امتياز العلماء وأهمية الموضوعية في التفكير عند دراسة كلمة الله؛ .. كما أن الترجمات الكثيرة للكتاب المقدس إلى آلاف اللغات واللهجات ودور الكتاب المقدس التي تهتم بهذه الترجمات .. إنما هي ثمرة رائعة من ثمرات المبدأ الإنجيلي.

2- المبدأ الثاني: الخلاص بالإيمان وحده، لقد كانت الكنيسة تفرض على الناس بعض الروض والمراسيم والأسرار وتعتبرها لازمة للمصالحة مع الله، وكان الناس يضطرون إلى تقديم الصلوات في مزارات القديسين والشهداء ويزورون الأماكن المقدسة معتقدين أنهم بذلك يتقربون إلى الله وينالوك البركة الروحية فتغفر لهم خطاياهم ويتصالحون مع الله وينالون السلام، لكن الفكر الإنجيلي يؤكد أن الخلاص هو بنعمة الله وحدها، فالتبرير لا يمكن أن يكون بالإيمان والأعمال معاً، فهو إما بنعمة الله أو بالأعمال، وكلام الله واضح في هذا الأمر، إذ يقول: " 00000" (رومية 11: 6)، إن عقيدة الخلاص بالنعمة تمجد عمل المسيح، .. أما الأعمال الصالحة فلابد منها، إذ هي نتيجة تنبع من الإيمان الحي الحقيقي، وهي دليل الخلاص لكنها ليست سبباً له، من هذا المنطلق ركزت الكنيسة الإنجيلية فكرها واتجهت نحو العبادة الروحية واعتبرت علاقة الإنسان الروحية بالله هو جوهر الحياة.

3- المبدأ الثالث: كهنوت جميع المؤمنين، وربما كان هذا المبدأ هو الفكرة الأساسية في الإصلاح الإنجيلي، والذي تدور حوله كثير من المبادئ الأخرى، حسبما يرى الآخرون، فالإصلاح الإنجيلي ألغى فكرة الكهنوت الخاص والمتميز والذي بموجبه يقام نظام خاص أو طبقة خاصة من الناس، يتوسطون في العبادة بين الله والناس كما كان الحال في النظام اليهودي، وأعلن أن جميع المؤمنين بإمكانهم أن يتصلوا بالله رأساً دون وسيط. هذه العقيدة جعلت كل إنسان يشعر بمسؤوليته الخاصة تجاه الله، فبدأ الناس يسيرون في الطريق الجديدة التي جعلتهم رجالاً ونساء أقوياء في الروح والأخلاق، وحررتهم من السيطرة الكهنوتية، وتخلصوا من الخوف الإكليريكي، واعتقوا من السلطان الكنسي، ولم يعد لسيف الحرمان المسلط فوق رقابهم قوة تخيفهم.

4- المبدأ الرابع: حرية الضمير المسيحي، لقد حرمت كنيسة العصور الوسطى على الناس التفكير الحر، حتى قيل أنها خلال الأربعين سنة التي سبقت الإصلاح الإنجيلي أحرقت 1300 شخصاً بتهمة الهرطقة، وقد كانت الهرطقة في مفهوم الكنيسة هي أن يفكر الإنسان لنفسه، أو يتساءل متشككاً في سلطة الكنيسة، كان للكنيسة وحدها حق إصدار الأحكام والقرارات المتعلقة بالأمور الدينية، وكان على المسيحي أن يقبلها بدون سؤال أو استفهام، لكن الإصلاح الإنجيلي أشرق على الإنسان المسيحي بنور حرية الفكر والضمير، وتتولد عن حرية الضمير المسيحي قيم كثيرة في مختلف نواحي الحياة، سواء في الجانب الفكري أو السياسي أو الاجتماعي .. لذلك تدرب الكنائس الإنجيلية أبناءها على الحرية، ولا نقصد الفوضى، بل الحرية الملتزمة المسؤولة الواعية، وهكذا تؤيد الكنيسة الإنجيلية كل نظام يدعو إلى هذه الحرية وإلى الديمقراطية، هذا الاعتقاد بالديمقراطية نابع من اعتقاد الإنجيليين بالله هو أب لجميع الخلائق البشرية، الذي وهب لخلائقه حرية الإرادة والاختيار، وهكذا فالإنجيلي بدوره يرغب أن يهب الحرية للآخرين، فلا يحرم غيره من حرية الرأي والقول والعقيدة.