القائمة الرئيسية

ابحث في الموقع

التسجيل

عدد الزائرين

free counters
 

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 2 زائر متصل
الرئيسية

حديث الإصلاح ومسـؤوليـــة التقــدم

كثُر الحديث هذه الأيام عن مبادرات الإصلاح في العالم العربي، سواء المبادرات التي قدمتها مصر وبعض الدول العربية، أو تلك التي جاءت من أطراف دولية وقوى كبرى وبغض النظر عن الدوافع والأهداف التي لهذه القوى أو تلك، فلقد أثارت هذه التصورات عن الإصلاح جدلاً كبيراً

وحواراً واسعاً دفعني أن أشارك فيه ببعض الأفكار التالية:

1-إننا نتفق مع كل الآراء التي تنادي أن الإصلاح الحقيقي لابد أن ينبع من الداخل، وأن يأتي معبِّراً عن خصوصية وثقافة وتقاليد وأسلوب تفكير شعوب هذه المنطقة وظروف كل دولة على حدة مثلما عبَّر السيد الرئيس في أكثر من مناسبة. والنتائج الخطيرة للقفز على ثقافات الشعوب مازالت ماثلة أمام عيوننا كما في حالة العراق، ومازالت عالقة بذاكرتنا كما في حالة الاتحاد السوفيتي السابق الذي انهار برغم كل تقدمه كدولةٍ عُظمى.

2-  كما إن الإصلاح الحقيقي الذي ينبع من الداخل لابد أن يستند من ناحية إلى مناخٍ عام من التجدُّد الثقافي القادر على تغيير المفاهيم والعقليات، وتوظيف قوى التقدم لصالح الانطلاق والإبداع والمستقبل، وخلق وعي يحتضن كل الأنشطة والروافد التي تصب في هذا الاتجاه. بمعنى أن الإصلاح الذي نتطلع إليه ليس فقط مجموعة من المؤشرات والأرقام الكمّية، وإنما هو اتجاه متصاعد نوعي، يأخذ بيد المجتمع ككل نحو نمطٍ جديد من الحياة.

     ومن الناحية الأخرى لابد أن ننفتح في ثقة بالنفس وتفاعل وحوار مثمر وخلاق، مع كل الأفكار التي تُطرح علينا من أية جهة في العالم، طالما أنها تحقق أهدافنا التي صنعناها بأنفسنا والتي ننادي بها منذ أكثر من قرنين من الزمان، وضحينا في سبيلها تضحيات غالية. 

     هذا التوازن الصحيح نجده كمثال في نهضة اليابان الحديثة، التي حافظت بقوة على ثقافتها ضد أية محاولات للهيمنة الأجنبية، وفي نفس الوقت انفتحت على الآخر لتتعلم منه وتتعاون معه، وهكذا استطاعت بهذا التوازن الناضج والحاسم أن تعظّم المكتسبات التي تضمن أمنها وتقدّمها وتفرّدها الثقافي.

3-لابد لهذا الإصلاح لكي يؤتي ثماره أن يشتمل على «رؤية استراتيجية» محددة الملامح والأبعاد والمراحل، تحقق الطموحات في إطار القدرات والظروف المتاحة، وتعالج الإحباطات التي تسيطر على الناس.

     وفي حالة مصر، وهي الدولة «النموذج» المنوط بها دائمًا قيادة المنطقة بحكم مسؤوليتها وخبراتها وموقعها ومكانتها وعلاقاتها مع كل دول المنطقة والعالم، يتفق الجميع على أنه لا يوجد من يستطيع إنكار الجهود المبذولة للإصلاح في كل نواحي الحياة في مصر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وعلى سبيل المثال القرارات الأخيرة في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة. وفي نفس الوقت يتفق الجميع أيضاً على أن حياتنا ليست كما ينبغي لها أن تكون. وربما يكون العلاج هو تقديم هذه الرؤية، التي نعرف من خلالها ما حققناه بالفعل، وما نتجه إليه في الحاضر والمستقبل دون تعثر أو انتكاس.

4-هذا الإصلاح الذي يغيّر وجه الحياة لشعب ما، لا يمكن أن يحدث نتيجة طفرة مفاجئة أو وصفات جاهزة، بل يحدث نتيجة عملية التراكم التاريخي لكل الجهود التي يبذلها كل أفراد ومؤسسات هذا الشعب، في تكاتف وتكامل متصل ومتدرج لبلوغ هذه النوعية من الحياة الأفضل. وهذا ما يشير إليه بالفعل معنى المصطلح وتاريخ استخدامه، فكلمة «إصلاح» بالإنجليزية Reformationتعني إعادة تشكيل مستمرة وتجدد دائم. يستوعب اللحظة الراهنة ويدرك المتغيرات في كل المجالات.

     هذا يعني أن مفهوم الإصلاح يراعي في إيقاعه الأهمية القصوى لعامل «الزمن»، فهو وإن كان لا يشير إلى طفرة مفاجئة بل إلى تراكم وتدرج، فهو في نفس الوقت لا يقبل الجمود أو الحركة البطيئة التي يصبح فيها تفاقم المشكلات أسرع من وتيرة الإصلاح. إنه تراكم ديناميكي وتدرج متصاعد في اتجاه التقدم. 

5-على أن الإصلاح الذي نصبو إليه وتستحقه شعوب هذه المنطقة، يحتاج إلى السلام والاستقرار الذي يحفظ طاقات وموارد هذه الشعوب لتصب في الاتجاه الصحيح. فكيف يمكن لهذه المنطقة أن تعاود رحلتها نحو الإصلاح والنهضة والتقدم وسط كل الدمار والدماء والتشريد والاحتلال في فلسطين والعراق؟. فإن كانت الولايات المتحدة تريد أن تشاركنا فعلاً أفكارها عن الإصلاح الذي بدأناه ونتطلع إلى اكتماله، فلتعلم إن السلام العادل والدائم هو الضمان الحقيقي للإصلاح.

كما إنه علينا كشعوب وحكومات عربية أن ندرك أن التضامن الواعي والعمل الصادق هو طريقنا الآمن للإصلاح والسلام، وطوق النجاة في الحاضر وفي المستقبل. لقد آن الأوان لننتقل من سياسة رد الفعل سواء بالسلبية أو بالعصبية والضجيج، إلى إبداع الفعل ومسؤولية المبادرة ومشاركة الآخرين أفكارنا ورؤانا. بدلاً من الكلام المستمر اختلافاً واتفاقاً حول فكرة تأتينا من الخارج، ونظل هكذا إلى أن يلقوا لنا بفكرة أخرى نختلف حولها من جديد