القائمة الرئيسية

ابحث في الموقع

التسجيل

عدد الزائرين

free counters
 

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 10 زائر متصل
الرئيسية

الإصلاح الديني بين أوربا والعالم الإسلامي

الرأي الشائع هو أنّ الإصلاح الديني يأتي إثر المعاناة من سلطةٍ دينية تتسم بالدوجماطيقية، أي توهّم امتلاك الحقيقة المطلقة، وبالتالي تتسم بتكفير مَنْ ينكرها. وقد مرت أوروبا بهذا النوع من الدوجماطيقية في العصور الوسطى حتى بزغت البروتستانتية في القرن السادس عشر عند ثلاثةٍ

من الرهبان الكاثوليك: لوثر (1483-1546) وزفنجل (1484-1531) وكلفن (1509-1564). وأنا أنتقي لوثر من هؤلاء الثلاثة. كان لوثر راهبًا ينتمي إلى المدرسة الأوغسطينية التي كانت مهيمنة على العصور الوسطى والتي كان شعارها «آمن كي تتعقل»، أي أن العقل يأتي في المرتبة الثانية بعد الإيمان، بمعنى أنك إذا فزت بالإيمان فإنك تشرع بعد ذلك في بيان القيمة العقلية للإيمان. ولكنّك عندما تشرع في تعقل الإيمان فإن السلطة الدينية تعفيك من إعمال عقلك بدعوى أنها قد أعملت عقلها وحددت بنود الإيمان ومنعتك من التعامل معها بعقلك. ومن هنا جاءت عبارة لوثر المفجرة لتحرير العقل من السلطة الدينية: «الفحص الحر للإنجيل»، أي مشروعية إعمال العقل فيما تريد أن تؤمن به.

 ولكن ماذا يكون الحال لو اعترضت السلطة الدينية على مشروعية إعمال العقل؟

هذا السؤال ليس مُثاراً من المخيلة إنما هو مُثار من الواقع الذي كان يعايشه لوثر. فلم يكن لوثر هو أول من اعترضت عليه السلطة الدينية عندما علَّق على باب الكنيسة فيتنبرج خمسة وتسعين بنداً كانت موضع رفضٍ من البابا، فقد سبقه آخرون، ومع ذلك لم تهتز السلطة الدينية كما اهتزت من لوثر عندما اتهمته بالهرطقة إثر إعلانه عن هذه البنود.

والسؤال إذن:

لماذا اهتزَّت السلطة الدينية؟

لأن لوثر اخترق السلطة الدينية بهذه البنود، والاختراق هنا يعني تطهير السلطة من داخلها، وعندما عجزت السلطة عن الاستجابة لعملية التطهير خرج لوثر عليها وأنشأ مسيحية مغايرة، والمغايرة هنا تعني إحداث تغيير في العلاقة بين الإنسان والله وذلك بإلغاء الوسيط وهو السلطة الدينية، ومن هنا تكون العلاقة بين الإنسان والله على نمط العلاقة بين أنا وأنت وليس العلاقة بين أنا وهو، و»هو» هنا هو الله الغائب وليس الله الحاضر. ولهذا فإن الإصلاح الديني، عند لوثر، يبدأ عندما تكون العلاقة بين الإنسان والله هي العلاقة بين أنا وأنت، وعندئذ ينتفي الخوف من العقاب الأبدي ومن ثم تنتفي صكوك الغفران، التي تدور حول البيع والشراء في سوق الحياة الأبدية، كما تنتفي الرتب الكهنوتية. فكل مسيحي هو كاهن.

وفي عام 1521أصدرالبابا حكمًا بحرمان لوثر. وكان لوثر كان قد أصدر في عام 1520 رسالةً عنوانها «إلى النبالة المسيحية في الأمة الألمانية» يحث فيها الإمبراطور وأمراء ألمانيا على استعمال سلطانهم من أجل تخفيف الطغيان الديني. ثم أصدر في مارس 1923 كتابًا عنوانه «عن السلطة العلمانية» وكان يقصد من هذا العنوان أن السلطة العلمانية المتمثلة في الأمراء قادرة على حماية الإصلاح الديني. ومعنى ذلك أن ثمة علاقة عضوية بين الإصلاح الديني والسلطة السياسية العلمانية. ومعنى ذلك أيضًا أن الإصلاح الديني لا ينشأ وينمو إلا في مناخ علمانية السلطة السياسية. وقد كان إذ نمت البروتستانتية في أوروبا وترسخت وكانت تمهيداً لبزوغ نظرية العقد الاجتماعي في القرن السابع عشر والتي تنص على أن المجتمع من صنع البشر وليس من صنع السلطة الدينية. وتعاونت نظرية العقد الاجتماعي مع العلمانية في بزوغ عصر التنوير الذي يمكن إيجازه في هذه العبارة التي أعلنها كانط في مقاله الشهير: جواب عن سؤال: ما التنوير؟

«كن جريئاً في إعمال عقلك».

هذا عن الإصلاح الديني على نحو ما حدث في أوروبا، فماذا حدث للإصلاح الديني في العالم الإسلامي؟

انتابه الفشل بسبب غياب علمانية السلطة السياسية، فقد قيل عن الشيخ محمد عبده إنه من روَّاد الإصلاح الديني، ولكنّه مات في ظروف غامضة، إذ لم يكن على علاقة حميمة مع السلطة السياسية التي كانت غارقة في الدعوة إلى الخلافة الإسلامية.