القائمة الرئيسية

ابحث في الموقع

التسجيل

عدد الزائرين

free counters
 

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 113 زائر متصل
الرئيسية مقالات

دراسة كتابية في سفر نشيد الأنشاد

Adel-Henenيخاف البعض الاقتراب من سفر نشيد الأنشاد، لِما فيه من صعوبات بسبب مضمونه المختلف عن باقي أسفار الكتاب المقدس. وقد يتساءل البعض: ما هو الهدف من وجود هذا السفر في الكتاب المقدس؟ وما هي الرسائل الروحية واللاهوتية المتضمنة فيه؟ وما هي الدروس العملية التي يعكسها مضمون السفر لنا اليوم؟ في هذه الورقة المختصرة محاولة للرد على هذه الأسئلة المهمة حول سفر «نشيد الانشاد».

اسم السفر وكاتبه
دعي السفر «نشيد الانشاد» بناءً على الكلمات الأولى فيه «نَشِيدُ الأَنَاشِيدِ الَّذِي لِسُلَيْمَانَ.» (نشيد 1: 1)، أي أعذب وأحلى الأناشيد، وكُتب بأسلوب شعري جميل. وقد اعتقد البعض لفترات طويلة أن سليمان الملك هو كاتبه، لكن الرأي الأقرب إلى الصواب أنه كُتب في زمن ما بعد السبي، ونُسِبَ إلى سليمان الملك لشهرته بعلاقاته النسائية الكثيرة (1ملوك 11: 3).
من المدارس المتنوعة لتفسير السفر
أوّلاً: المدرسة الرمزية
يعتبر التفسير الرمزي هو الأقدم بالنسبة لليهود، وأيضًا من قبل آباء الكنيسة. فإذا كان السفر يحكي عن قصة حب بين ملك وفتاة راعية، فالملك هو الله والفتاة هي إسرائيل، حيث اختار يهوه أن يرعى إسرائيل ويقودها في البرية إلى أرض تفيض لبنًا وعسلاً. فبالنسبة لليهود يعبر السفر عن محبة الله لشعبه إسرائيل. أما بالنسبة لآباء الكنيسة مثل أوريجانوس وكيرلس السكندري، فقد استبدلوا يهوه بالمسيح، وإسرائيل بالكنيسة، ورغم اعتراف العروس بالخطية والبعد عنه «أنا سوداء وجميلة» (نشيد 1: 5). لكنه أحبها واختارها لتكون عروسًا مزينًا له.
ثانيًا: المدرسة التاريخية
هناك مَنْ ينتقد التفسير الرمزي للسفر، لأنه لا يوجد به أية إشارة عن معنى للرموز الموجودة فيه، وإنما هو مجرد اجتهاد لمحاولة الوصول إلى رسالة السفر الروحية. بل يتناولون السفر كقصة تاريخية، أي قصة حب حقيقية بين الملك والفتاة الراعية. ويجسد السفر أجمل أنشودة حب بين الحبيبين، وذلك من خلال حوار طويل به استعارات من الطبيعة، أو من جسم المرأة للتعبير عن لهفة الحبيب لمحبوبته. وبرغم محاولات الفرقة بين الحبيبين، سواء من الظروف أو من الشخصيات المختلفة في السفر، إلا أنه لا يوجد أقوى من الحب الذي يربط بينهما حتى الموت. «اجْعَلْنِي كَخَاتِمٍ عَلَى قَلْبِكَ كَخَاتِمٍ عَلَى سَاعِدِكَ. لأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَوِيَّةٌ كَالْمَوْتِ... مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ وَالسُّيُولُ لاَ تَغْمُرُهَا.»(نشيد 8: 6، 7).
الرسائل اللاهوتية للسفر
إذا تناولنا رسالة السفر من المدخل الرمزي، فإننا نرى محبة الله لشعبه إسرائيل (والمسيح للكنيسة) بشكل عملي، متغاضيًا عن أوقات الضعف، ومعلنًا أنه سيظل أمينًا مع شعبه للمنتهى. أما من الناحية التاريخية فلنا أكثر من رسالة:
•    لقد وضع الله في طبيعتنا الإنسانية المشاعر الرقيقة تجاه الجنس الآخر، وهو ما تغنى به أدم قديما كأول أنشودة حب في التاريخ «فَقَالَ ادَمُ هَذِهِ الْانَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى امْرَأةً لأنها مِنِ امْرِءٍ اخِذَتْ.» (تكوين 2: 23). هذه المشاعر مقدسة ونقية، وتُظهر ما في طبيعتنا من جمال ورقة.
•    لا يستطيع الإنسان الطبيعي ألا يحب، فالحب هو خروج من الذات نحو الحبيب، هو الدفء والأمان، هو الرقة والحنان. كما أن التعبير عن هذه المشاعر بشكل مقدس ولائق ضرورة لتأكيد العلاقة ونموها.
•    الحب الصادق يقود الحبيبين لمواجهة الظروف المختلفة، وتخطي الصعوبات للحفاظ على العلاقة. فمشاعر الحب فينا هي الدافع للتمسك بالآخر إلى المنتهى.
•    الحب يجعل عيوننا لا ترى الضعف في الحبيب، بل نقبله ونحترمه كما هو، ويقودنا في رحلة تغيير وعطاء مستمر لإسعاد الحبيب.
•    أخيرًا، نرى في الزواج بحسب القصد الإلهي أجمل صورة للتعبير عن الحب، إذ يكونان جسدًا واحدًا. فلا يكون أحد لنفسه بل للآخر، ولا يعني ذلك إلغاء لهوية أحدهما، بل لا يرى طرف قيمته ومكانته إلا في علاقته بالآخر.
قناعات تحتاج إلى مراجعة في ضوء السفر
هناك مَنْ يعتقد ان العلاقة الحميمة بين الزوجين (الجنس) أمر غير مقدس، أو مرتبط بأوقات بعينها. وهناك مَنْ يرى أن الجنس ارتبط بخطية أدم قديمًا، لذلك ينجس الانسان. بالطبع هذه قناعات خاطئة، ففي أوقات كثيرة ينجس الانسان ما طهره الله. فعندما اعطى الله الوصية لأدم وحواء قال «اثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلاوا الارْضَ» (تكوين 1: 28). وكيف يثمروا دون علاقة حميمية بينها؟ فمما لا شك فيه أن هذه العلاقة مقدسة في إطار الزواج، ولا تدنس أي من الزوجين، ولا تُضعف علاقتهما بالله. بل على العكس يقول حكيم الأجيال «وَافْرَحْ بِامْرَأَةِ شَبَابِكَ» (أمثال 5: 18). فلو كان الجنس ينجس الإنسان ما كان أوصى به الله. أما عن التحدي الحقيقي في العلاقة الزوجية، فهو كيف يحترم الزوجين بعضهما في هذه العلاقة؟ وكيف يقدم كل منهما جسده للآخر بمحبة شديدة دون انانية؟
الختام
عندما ننظر إلى السفر في قرينته التاريخية، لا نجد حرجًا في بعض المصطلحات الواردة به، فمن المؤكد أنها كانت مقبولة في ذلك الوقت، وإلا ما كانت أُقرت ضمن أسفار الكتاب المقدس. وعندما نتناول هذه النصوص المقدسة في عالمنا المعاصر، فإننا ننظر إلى المبادئ الروحية المتضمنة فيها، ولا نأخذها بحرفيتها. وفي وجهة نظري لا يوجد أجمل من رسالة الحب التي يحملها لنا هذا السفر الرائع، لأن الله محبة، ويدعونا أيضًا لتكون محبتنا لا بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق (1يوحنا 3: 18). وأومن بشدة أننا اليوم في مجتمعنا المصري نحتاج إلى تفعيل هذه الرسالة للم الشمل وتحقيق المصالحة بين جميع الفئات. فشكرًا للرب لأنه يعلمنا أن المحبة لا بديل لها «إنْ أَعْطَى الإِنْسَانُ كُلَّ ثَرْوَةِ بَيْتِهِ بَدَلَ الْمَحَبَّةِ تُحْتَقَرُ احْتِقَارًا.» (نشيد 8: 7).