القائمة الرئيسية

ابحث في الموقع

التسجيل

عدد الزائرين

free counters
 

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 80 زائر متصل
الرئيسية مقالات في العقيدة المسيحي وصراعة وسط العالم

المسيحي وصراعة وسط العالم

«أَخِيراً يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا» (أفسس 6 : 10 – 13)

 

في القسم الثاني من الرسالة إلى أهل أفسس (ص 4 – 6) يقدم الرسول بولس لقرائه الدعوة الحاسمة لخوض معترك الجهاد الروحي والسلوك الأخلاقي على جميع المستويات.

 

* ففي الإصحاح الرابع نجد الدعوة للجهاد نحوتحقيق الوحدة في جسد المسيح، أي الكنيسة: «مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضاً فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِد» (4: 3، 4).

 

* وفي نفس الإصحاح هنالك الدعوة للسلوك في النور في وسط المجتمع المظلم الذي وضع في الشرير، وأهمية تغيير السلوك الخاطىء المضر للآخرين واستبداله بسلوك صالح ونافع   للجميع: «أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ» (4: 22 – 24).

 

 

* وفي الإصحاح الخامس ينتقل الرسول إلى دائرة أضيق وهي دائرة البيت المسيحي ليتحدث عن الجهاد نحوبلوغ الخضوع المتبادل والمحبة الحقيقية بين طرفي الأسرة المسيحية (5: 22 – 33).

 

* ثم نأتي إلى بداية الإصحاح السادس حيث يناقش الرسول جانباً آخر من جوانب الجهاد المسيحي والصراع الأخلاقي ليعرض صورة العلاقة الصحيحة المتوازنة بين الوالدين والأبناء ثم صورة العلاقة الصحية الناضجة بين السادة والعبيد (6 : 1 – 9).

 

وأخيراً يصل الرسول في طرحه العملي الأخلاقي إلى المجال الأضيق في الصراع الروحي وهوالصراع الداخلي في جنبات نفس الإنسان المسيحي وروحه مع قوى الشر، وهوالجهاد الأعظم والأكبر في حياة وخبرة كل ابن حقيقي لله.

 

المتأمل في هذه الأعداد الأربعة يلحظ ثلاثة محاور يتناولها الرسول بولس:

 

• أولاً «حتمية الصراع» ع 10، 11

 

يبدأ الرسول هذه الفقرة الشديدة الأهمية بالقول: «أَخِيراً يَا إِخْوَتِي». وكلمة أخيراً يريد الرسول بها أن يربط هذه الفقرة بكل ما سبق ؛ بمعنى أن النجاح في كل التحديات السابقة: الوحدة، السلوك في النور، الخضوع والمحبة في البيت المسيحي، صحة العلاقة بين السادة والعبيد، كلها تتوقف في نجاحها على النجاح في هذا الصراع الكبير داخل كل إنسان مسيحي. فالرسول يريد أن يقول إنني إذا أردت أن أعطي كلمة السر الأخيرة والنهائية التي تضمن النجاح والانتصار في ميادين الجهاد السابقة فإنها ببساطة النصرة الداخلية في الصراع الشخصي.

 

ويستخدم الرسول صيغة النداء: يا إخوتي التي يحاول من خلالها أن يوجه انتباه من يقرأون رسالته على مدى العصور الطويلة إلى أنهم يشتركون معه في نفس رحلة الجهاد والصراع التي اجتازها هونفسه. لقد كان الرسول يكتب هذه الكلمات من سجن روما منتظراً المحاكمة أمام القيصر نيرون، وهم كمؤمنين حقيقيين يواجهون نفس التحديات أوغيرها وعليهم اجتياز نفس المعاناة أمام قوى الشر الروحية التي تشن حربها الشعواء عليه. فالرسول بولس إذن يشير إلى أن هذا الصراع ليس صراعاً اختيارياً يمكن تجنبه لكنه صراع ضروري وحتمي يشترك فيه كل من دعوا إلى اختبار الحياة الجديدة.

 

أمام حتمية هذا الصراع يقدم لنا الرسول بعض الحقائق الهامة والمشجعة لنا على اجتيازه في ثقة وإيمان:

 

(1) القوة المستمرة الدائمة

 

في عدد 10 أ يقول الرسول بولس: « تقووا في الرب»، وعند عودتنا للفعل تقووا في لغته الأصلية نكتشف أنه يرد هنا في صيغة الأمر المستمر بمعنى أن يستمر المؤمن في الاتكال على قوة الرب. لكن ما يهمنا من الجانب الآخر هوحقيقة أن قوة الله موجودة ومتاحة دائماً لنا في وسط هذا الصراع الصعب لكي نتكل عليها ونستمد النصرة منها. فالإنسان المسيحي في صراعه الروحي لا يجد في نفسه القوة الكافية للنصرة، لكنه يُمنح القوة من فوق، القوة الإلهية التي تعطي له إمكانية الانتصار والغلبة.

 

(2) القوة الإلهية الشديدة

 

يستمر الرسول في حديثه قائلاً: «تقووا في الرب وفي شدة قوته». وتعود بنا عبارة «شدة قوته» إلى نصين كتابيين في منتهى الأهمية، الأول في العهد القديم والآخر في نفس رسالة أفسس:

 

* «ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا مَنْ خَلَقَ هَذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا يَدْعُوكُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ» (إشعياء 40 : 26). هنا الحديث يدور حول إله الخلق والعناية، فالمسيحي في حربه يستمد قوته من إله الخلق الذي صنع العالمين بقوته وحكمته، إله العناية الذي يحيط بأولاده ليحفظهم ويرعاهم.

 

* «مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ» (أف 1 : 18 – 20). التنبير في هذا النص يقع على صورة إله القيامة. فنفس القوة التي بها قام يسوع المسيح من الأموات هي التي تلازمنا في حربنا لتعيننا في مواجهة أعدائنا الروحيين والانتصار عليهم. فالرسول عندما يتحدث عن الرب وشدة قوته يشجعنا بالتأكيد على أن القوة التي تساندنا في حربنا ليست قوة عادية لكنها قوة إله الخلق والقيامة السرمدية التي لا مثيل لها.

 

كل ما سبق كان يدور حول الدور الإلهي في الصراع، فهل ينفي ذلك الدور الإنساني في الحرب الروحية ليصير الإنسان مجرد متفرج سلبي خامل بلا دور يؤديه؟ الإجابة بالطبع بالنفي، ففي النص هناك الكثير من الأفعال التي توجه الإنسان للقيام بدوره والاضطلاع بمسئوليته في هذا الصراع: تقووا في الرب / البسوا / تثبتوا / احملوا سلاح الله ... وهنا يجدر بنا التركيز على فعلين يوضحان ما يجب على الإنسان أن يفعله ليتمكن من اجتياز هذا الصراع بانتصار ورفعة. هذان الفعلان هما: «البسوا» (ع 11) و«احملوا» (ع 13). ونحتاج أن نعود هنا إلى استخدام الرسول لهما في كتاباته لنصل إلى معنييهما. ففي رومية 13: 13، 14 يقول الرسول: «لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ لاَ بِالْمَضَاجِعِ وَالْعَهَرِ لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيراً لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَات» وفي (2 كو4: 7 – 11)، نقرأ: «وَلَكِنْ لَنَا هَذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ لِلَّهِ لاَ مِنَّا. مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لَكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ. مُضْطَهَدِينَ، لَكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. مَطْرُوحِينَ، لَكِنْ غَيْرَ هَالِكِينَ. حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضاً فِي جَسَدِنَا. لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِماً لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضاً فِي جَسَدِنَا الْمَائِتِ». في هذين النصين يقدم لنا الوحي واحداً من المعاني العميقة للفعلين: البسوا واحملوا. فالمعنى هنا هوأن نلبس الرب يسوع ونحمل صفاته وسماته وعلامات تضحيته، أي أن نلتصق بالمسيح ونثبت فيه، أن نعيش له بل نعيشه بطريقة جادة وكاملة في حياتنا. فالرسول يقدم جوانب مختلفة ومتعددة لسلاح الله الكامل في الأعداد التالية لكن الإنسان لا يمكن أن يستفيد منها الإستفادة الكاملة ما لم يكن لابساً المسيح وحاملاً حياته في داخله.

 

نعود مرة أخرى إلى الفكرة الرئيسية هنا وهي حتمية الصراع. فقد آمن رسول الجهاد بهذه الفكرة وتعايش معها بطريقة عملية. فعندما أرسل رسالته الأولى إلى كنيسة كورنثوس من محل إقامته في أفسس كتب يقول: «وَلَكِنَّنِي أَمْكُثُ فِي أَفَسُسَ إِلَى يَوْمِ الْخَمْسِينَ لأَنَّهُ قَدِ انْفَتَحَ لِي بَابٌ عَظِيمٌ فَعَّالٌ وَيُوجَدُ مُعَانِدُونَ كَثِيرُونَ». ونلاحظ هنا أن الرسول لم يقل: «ولكن يوجد معاندون كثيرون «بل قال»: ويوجد معاندون كثيرون» بمعنى أن الأمرين يسيران معاً في تلازم حتمي: باب الخدمة وباب المعاندين، وهذه هي حتمية الصراع في الحرب الروحية.

 

• ثانياً «حقيقة الصراع» ع 12

 

في العدد الثاني عشر يقول الرسول الكلمات التالية: «فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ». وفيها يتحدث الرسول للكنيسة عن حقيقة هذا الصراع أو طبيعته تفصيلاً في أكثر من فكرة:

 

(1) صراع مصيري

 

هذا الصراع ليس أبداً نزهة بسيطة أوأمراً هيناً أومهمة سهلة يمكن إغفالها أوالتهاون معها أوإنكارها أو التخفيف من حدتها. وعندما يستخدم الرسول كلمة «مصارعتنا» فهويتحدث من واقع الثقافة التي تحيط به آنذاك، وقد كانت هذه الكلمة تعني الكثير في تلك الأيام. فقد اتصفت المصارعات الرياضية في بلاد اليونان قديماً بالدموية والعنف الشديد، وكان الحكم على الشخص الذي يمنى بالهزيمة في بعض تلك المصارعات أن تُقلع عيناه من مكانهما ليظل أعمىً بقية حياته، وهكذا كانت مثل هذه المنافسات تمثل أمراً مصيرياً بالنسبة للمصارع لا يمكنه الاستهانة به. وباستخدام هذه الكلمة قصد الرسول أن ينقل للكنيسة دون لبس مصيرية الصراع الذي يخوضه المؤمن في مواجهة قوى الشر.

 

والعهد الجديد في أكثر من موقع يبرز هذه الفكرة الهامة، فالرسول بطرس على سبيل المثال يقول محذراً: «اُصْحُوا وَاسْهَرُوا لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِساً مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ» (1 بطرس 5 : 8). وسفر الرؤيا يموج بالصور التي تحذرنا جميعاً من خطورة التهاون مع الحرب الضروس التي يشنها الشيطان دون هوادة على جميع أبناء العلي.

 

(2) صراع روحي وفكري

 

يقول الرسول إن هذا الصراع إنما هومع الرؤساء والسلاطين وولاة العالم وأجناد الشر الروحية في السماويات. ودون الدخول في التفاصيل حول معاني العبارات الواردة في هذه الآية نقول إجمالاً إنها تشير إلى القوى الروحية والفكرية الشريرة التي تسعى إلى السيطرة على الذهن البشري وتسبيه لفلسفاتها وقناعاتها. وقد نبَّر الرسول في موضع سابق من الرسالة على فكرة القوة الروحية الشريرة التي تحارب الإنسان إذ يقول في 2 : 1 – 3 «وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ، الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضاً جَمِيعاً تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ  أَيْضاً».

 

وتضع هذه الحقيقة أمامنا تطبيقين هامين:

 

1- عندما يخطيء الآخرون في حقنا ونقابل إساءة وجحود الناس ونكرانهم وقسوتهم، وعندما تكون ألسنة الناس وتعليقاتهم كالسيوف المسلولة البتارة، وعندما يقع الاضطهاد والظلم على أبناء الله جوراً وعدواناً ؛ علينا أن نزيح ستار الأحداث جانباً لنرى بوضوح قوى الشر التي تعمل خفية وراء الشر الظاهر فلا يكون أولئك الذين يصدر منهم الشر عندئذ سوى عملاء أووسطاء أوآلات بأيدي القوى الخبيثة، وعندئذ نلتمس العذر ونطلق الغفران.

 

2- نحتاج كذلك أن ننظر إلى الأمور التي تحدث في الحياة بطريقة أكثر عمقاً ونضوجاً. فما نخرج به من هذه الآية هوأن الصراع الحقيقي الذي نواجهه في حياتنا إنما هوصراع فكري روحي، بمعنى أن قوى الشر الروحية تؤثر أولاً وقبل كل شيء على أفكارنا لتشوهها وتشوش عليها وتلوث ردود أفعالنا من نحوالأمور المختلفة. فالشرور التي تصيبنا بها هذه القوى ليست كما نظن الشرور المادية كالمرض والفقر والفشل، إنما هي ردود أفعالنا من نحوهذه الأمور: التذمر الذي يختفي وراء المرض والمرارة التي تتستر وراء الفقر واليأس الذي يولده الفشل ... هذا هوالصراع الحقيقي.

 

(3) صراع محسوم

 

نتوقف هنا أمام الكلمة الأخيرة في العدد الثاني عشر وهي كلمة «السماويات». وردت هذه الكلمة خمس مرات في رسالة أفسس، وفي أربع من هذه المرات تشير الكلمة أوترتبط بمكان وجود المسيح وسلطانه وسلطته على كل الأمور والظروف (1 : 3، 20 / 2 : 6 / 3 : 10). أما في هذا النص فقد جاء المصطلح مرتبطاً بقوى الشر الروحية. فالسماويات في عموم رسالة أفسس هي نطاق سلطان المسيح و  ملكه، وهي الدائرة التي يفيض منها ينبوع البركات الإلهية لشعبه والمكان الذي تعلن فيه معجزات وأعمال الله في كنيسته. هذا الحق من شأنه أن يملأ المؤمنين به بالثقة التامة في النصرة، وأنه حتى إن كانت الحرب الشديدة  القاسية التي نخوضها تدور رحاها في السماويات فإن معنى ذلك أنها موجهة ضد دائرة الله نفسه، فهي في السماويات وضد السماويات، موجهة ضد الله ذاته ممثلاً في شعبه وكنيسته. وبالتالي فالله نفسه هوالذي يقودنا في موكب نصرته كل حين في المسيح يسوع، ولذلك نقول إن الصراع محسوم والنصرة مؤكدة.

 

• ثالثاً «طريق النصرة»ع 13

 

في العدد الثالث عشر يختم الرسول هذه الأفكار بقوله: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا». ونحن هنا نجد أنفسنا أمام فكرة أخرى على طريق النصرة وهي فكرة الثبات: «وبعد أن تتمموا كل شيء أن تثبتوا». والكلمة تثبتوا محورية في هذا النص إذ تذكر ثلاث مرات في الأعداد 11، 13، 14. وأمام فكرة الثبات نتوقف أمام صورتين معبرتين، الأولى من العهد القديم والأخرى من عالم العسكرية اليونانية القديمة.

 

(1) الصورة الأولى

 

الصورة الأولى تصفها لنا كلمات نص 2 صموئيل 23 : 8 – 12) «هَذِهِ أَسْمَاءُ الأَبْطَالِ الَّذِينَ لِدَاوُدَ: يُشَيْبَ بَشَّبَثُ التَّحْكَمُونِيُّ رَئِيسُ الثَّلاَثَةِ. هُوَ هَزَّ رُمْحَهُ عَلَى ثَمَانِ مِئَةٍ قَتَلَهُمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً. وَبَعْدَهُ أَلِعَازَارُ بْنُ دُودُوبْنِ أَخُوخِي أَحَدُ الثَّلاَثَةِ الأَبْطَالِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ دَاوُدَ حِينَمَا عَيَّرُوا الْفِلِسْطِينِيِّينَ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا هُنَاكَ لِلْحَرْبِ وَصَعِدَ رِجَالُ إِسْرَائِيلَ. أَمَّا هُوَ فَأَقَامَ وَضَرَبَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ حَتَّى كَلَّتْ يَدُهُ، وَلَصِقَتْ يَدُهُ بِالسَّيْفِ، وَصَنَعَ الرَّبُّ خَلاَصاً عَظِيماً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَرَجَعَ الشَّعْبُ وَرَاءَهُ لِلنَّهْبِ فَقَطْ. وَبَعْدَهُ شَمَّةُ بْنُ أَجِي الْهَرَارِيُّ. فَاجْتَمَعَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ جَيْشاً وَكَانَتْ هُنَاكَ قِطْعَةُ حَقْلٍ مَمْلُوءةً عَدَساً، فَهَرَبَ الشَّعْبُ مِنْ أَمَامِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. فَوَقَفَ فِي وَسَطِ الْقِطْعَةِ وَأَنْقَذَهَا، وَضَرَبَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ فَصَنَعَ الرَّبُّ خَلاَصاً عَظِيماً»

 

في العدد الثامن نجد عنصراً أساسياً من عناصر الثبات وهو الولاء للقائد. لقد كان كل أولئك أبطالاً لداود. وكانت محبتهم وولاؤهم له واقتناعهم به هوالذي أدى بهم إلى الثبات في تلك المعارك الفاصلة، وبالتالي صنع الله معهم وبهم خلاصاً عظيماً.

 

وهكذا الأمر في مصارعاتنا الروحية. فما يؤدي إلى ثباتنا في حروبنا هو ولاؤنا للمسيح وثباتنا فيه ومحبتنا له واقتناعنا به. هذه هي الخطوة الأهم في مصارعتنا مع قوى الشر من حولنا. ينبغي أن ينطبق علينا القول: «هؤلاء هم الأبطال الذين للمسيح». لقد عاش مارتن لوثر في ولاء تام لهذا القائد واقتناع عميق به فاستطاع أن يقول وهويواجه تحديات الحياة العظمى : «ها أنا أقف .. فليساعدني الرب».

 

(2) الصورة الثانية

 

الصورة الثانية يستوحيها الرسول من عالم العسكرية اليونانية القديمة. فالرسول هنا يُذكّر الكنيسة بصورة الجيش الروماني وهو يتقدم نحوساحة إحدى المعارك وقد اصطف الجنود الواحد بجوار الآخر ليكوّنوا حائطاً بشرياً من الصعب جداً اختراقه بواسطة العدو.

 

وهو هنا يؤكد أن الخطوة الثانية للثبات هي أن يصير المؤمنون في الكنيسة وحدة واحدة لا يمكن اختراقها، حائطاً صلباً يدعم فيه الواحد الآخر. وربما نجد في ذلك عودة للتنبير على هدف رسالة أفسس الرئيسي وهو وحدة الكنيسة: «فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ، أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فِي الْمَحَبَّةِ. مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضاً فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ». فإذا كان ثباتنا كأفراد في المسيح هو الخطوة الأولى لثباتنا في الرب، فإن ثباتنا كجماعة معاً في محبة وغفران واهتمام الواحد بالآخر هو دون شك خطوة هامة وموازية نحوالنصرة في صراعنا الكبير متذكرين دائماً الهتاف القائل:

 

ها المسيح الرب قادم       فاحفظوا الحصون

لا تخافوا من مهاجـم          ظالم خـــؤون