القائمة الرئيسية

ابحث في الموقع

التسجيل

عدد الزائرين

free counters
 

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 40 زائر متصل
الرئيسية

رسالة أفسس - المدحل والتمهيد

شرح الرسالة إلى أفسس

القس إبراهيم سعيد

مدخل

"رسالة", "بولس", "أفسس"- ثلاث كلمات جامعة, كثلاث نجوم لامعة, تسطع في سماء هذه الرسالة. ولكل من هذه الثلاث الكلمات جاذبية قوية تستميلنا إليها, إذا ما حاولنا كشف كنوز هذه الرسالة "رسالة", "بولس", "أفسس"- أو الرسالة, ومرسلها, والمدينة المرسلة إليها:

-أ- الرسالة: تتبوأ هذه الرسالة عرشاً رفيعاً في قلب كتابات بولس, حساً ومعنى. فهي قلبها الخافق, وهي الدرة اليتيمة المنتظمة في منتصف عقد رسائله الدرية, هي الرسالة الوحيدة التي يفخر بها بولس, ويعتبرها حجة "رسوليته" إلى الأمم, ومقياس درجة "درايته بسر المسيح" (3: 2و3).

حسناً قال فيها كولردج "هي أسمى كتاب في سجل الوحي. لأنها تجمع بين دفتيها خلاصة العقائد المسيحية, وهي ملتقى مطاليب الدين المسيحي بمطاليب الدين الطبيعي".

هي إحدى الرسائل الأربعة التي كتبها بولس الرسول وهو سجين في روما لأول مرة, فهي اللؤلؤة الرابعة في هذا العقد الرباعي النظيم, المؤلف من رسائله: إلى فيلبي, وكولوسي, وفيلمون, وأفسس. ومع أن كل واحدة من هذه الرسائل الأربع, تختلف عن الأخرى معنى ومبنى, إلا أن نغمة واحدة مشتركة تتخللها جميعاً, ونعمة إلهية واحدة أوحت لبولس بها جميعها. فاقلم واحد, والعقل واحد, والقلب واحد, والروح واحد, لكن الظروف متباينة, والنعمة أيضاً متنوعة (1بطرس4: 1). ولقد أجاد مونتانوس, إذ شبه نفس بولس بقيثارة ذات أوتار حساسة, فلما هبت عليها نسمات نعمة الله المتنوعة, أفاضت منها نغمات عدة. فتارة نسمع دوي رعد قاصف كما في رسالتيه إلى غلاطية, وطوراً نصغي إلى ترجيع أناشيد عذبة رخيمة, كما في رسالتيه إلى فيليبي وفيلمون, وحيناً نستمع إلى تسبيح ملائكي يرتفع إلى السماويات في الأعالي كما في الرسالة التي نحن بصددها. وفي كل هذه النغمات المتعددة, توجد أصداء مشتركة تتخللها جميعاً, فتوّحد ما بينها من تجانس. ففي رسالة أفسس نجد أصداء متجاوبة مع رسالة كولوسي, وفي رسالة كولوسي نسمع نغمات مشتركة مع ألحان رسالة فيليبي, وفي رسالة فيليبي نصغي إلى نبرات متفقة مع أناشيد رسالة فليمون.

في أحد أيام سنة 60 ميلادية, خرج شخصان من روما, وسارا في الطريق السلطاني المعروف وقتئذ بـ "طريق ابيوس": اسم أحدهما "تيخيكوس" وهو من آسيا مولوداً, واسم الثاني "أنسيموس" وهو عبدها رب من مولاه أما أولهما فهو حامل هذه الرسالة. وقلما أتاحت العناية لإنسان واحد أن يحمل من الكنوز في يوم واحد, مثلما حمل تيخيكوس في ذلك اليوم- إذ حمل ثلاث رسائل من خير ما كتب بولس الرسول. رسائله: إلى كولوسي, وإلى فليمون, وإلى أفسس- وآخرها وأفخرها- أو كما قال فيها آرك جراهام: "هي تاج كتابات بولس الرسول".

هذه الرسالة ذات مادة وروح. أما مادتها فهي وليدة سجن روما الضيق المظلم, وهي مكتوبة بقلم بولس أو بإملاء منه. فلقد كتبها في منفاه وسلاسل السجن تقيد جسمه الضعيف الهزيل. وأما روح هذه الرسالة, فهي منبعثة من "السماويات" في الأعالي- موطن الحرية, والنور, لأنها صادرة عن روح إله بولس, وحيث روح الرب فهناك الحرية. فبينما جسد بولس يرسف في السلاسل والقيود, إذا بروحه تتسامى في الأعالي متمتعة بالشركة الروحية مع "الرفيق الأعلى". إن مادة هذه الرسالة مقيدة بأثقال بولس وقيوده, لكن روحها محملة "ثقل مجد أبدي" ومشبعة "بغنى المسيح الذي لا يستقصى".

هذه الرسالة خالية من الجدل- فهي تختلف عن رسالة غلاطية التي يتغلغل فيها روح الجدل العنيف. فإذا كان بولس قد كتب رسالة غلاطية بمداد من محلول أشعة نور عقله النير, فقد كتب هذه الرسالة بمداد من ذوب قلبه الملتهب.

هذه رسالة خالية من الإشارات الشخصية- فهي رسالة الكنيسة الجامعة في كل عصر وعصر. فيها رفع الرسول نظره فوق الحدود الضيقة التي تفصل أجزاء الكنيسة عن بعضها, فقدم رسالته هذه للكنيسة كلها, وقدم فيها أفضل ما عنده. ومن فرط ما غمرته به العناية من أفضال ونعم, خشع بقلبه شاكراً, وفي شكره سكب خلاصة قلبه, وفي سكيبه المقدس كان ساجداً وفي سجوده كان متعبداً, وفي تعبده تركنا نحن الواقفين على رمال الوادي مبهوتين, مندهشين, مرتعدين, نسمع الصوت ولا نميز منه سوى نبرات قليلة تزيدنا شوقاً وحنيناً إلى تلك "السماويات" العليا, ولا تروى فينا غليلاً, ثم انطلق هو إلى الأعالي ليرتوي من تلك الينابيع العليا التي لا ينضب لها معين!؟.

إن الفكرة الأساسية في هذه الرسالة هي: "المسيح والكنيسة". فهي البلاغ النهائي في تفسير ذلك الإعلان الجليل الذي فاه به المسيح على طريق قيصرية فيلبس: " على هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها ". فلا غرو إذ كان الخطاب فيها موجهاً إلى " القديسين والمؤمنين في المسيح يسوع", أو بعبارة أخرى, إن موضوع هذه الرسالة هو "قصد الله الأزلي المعلن في المسيح, والمحقق في الكنيسة وبها".

ليس هذا القصد مقصوراً على دعوة الله للكنيسة, ولا على اتحاد عناصر الكنيسة المتنوعة, لكنه يمتد فيطوى على كل الجنس البشري الذي قصد الله أن يجمعه في المسيح الذي هو "الرأس الأعلى". ولكي يفصح الرسول عن هذا القصد, بدأ بالكلام عن حاجة الفرد إلى الخلاص الذي قدمه المسيح, والفداء الذي أكمله بصليبه, والغفران الذي أتمه بدمه الكريم ومن هذا تدرج إلى الكلام عن الصلة الكائنة بين المؤمن وسائر المؤمنين, فهي على مثال الصلة التي تجمع عضواً في الجسد بسائر الأعضاء. وعلى هذه النسبة المكينة تبنى الصلة بين اليهود والأمم, فلئن اختلفوا جنساً, إلا أنهم واحد في المسيح.

وجدير بنا أن نذكر ما قرره الرسول: وهو أن الكنيسة مع سمو مكانتها في قصد الله, ليست غاية في ذاتها وإنما هي وسيلة لإظهار حكمة الله المتنوعة للعالمين: "حسب قصد الدهور الذي صنعه في المسيح يسوع ربنا".

ب – صلة هذه الرسالة ببعض أسفار العهد الجديد:

كتبت هذه الرسالة في نفس الوقت الذي كتبت فيه رسالة بولس الرسول إلى أهل

كولوسي, فلا عجب إذا وجد بينهما شيء غير قليل من التشابه في اللفظ والمعنى. وإليك بعض هذا التشابه:

"المسيح رأس الكنيسة": أفسس1: 22= كولوسي1: 18و2: 1

"سمو المسيح على الملائكة": أفسس1: 22= كولوسي2: 10

"الكنيسة جسد المسيح": أفسس1: 23, 4: 12, 5: 3= 1: 18و24

"نمو الجسد": أفسس4: 16= كولوسي2: 19

"وحدانية الجسد": أفسس2: 16, 4: 4= كولوسي3: 15

"الحالة الطبيعية التي كان عليها المؤمنون": أفسس2: 2= كولوسي1: 21

"قيامة المؤمنين في المسيح": أفسس2: 6= كولوسي2: 12, 3: 1

"المؤمنون محيون في المسيح": أفسس2: 5= كولوسي2: 13

"المؤمنون مصالحون بموت المسيح": أفسس2: 13= كولوسي1: 20.

(10) "المؤمنون مفتدون بموت المسيح": أفسس1: 7= كولوسي1: 12.

(11) "المؤمنون سالكون في النور": أفسس5: 8 و9= كولوسي1: 12.

(12) "المؤمنون متأصلون في المسيح": أفسس3: 17= كولوسي2: 7.

(13) "المؤمنون مبنيون على أساس": أفسس3: 17= كولوسي1: 23

(14) "المؤمنون مملؤون في المسيح": أفسس1: 23= كولوسي1: 19.

(15) "الملء": أفسس1: 23, 3: 19= كولوسي1:: 19, 2: 9.

(16) "الإنسان العتيق والإنسان الجديد": أفسس4: 22=كولوسي3: 9.

(17) "سلسلة خطايا ممتنعة": أفسس4: 2و3= كولوسي3: 12-14.

(18) "غضب الله على العصاة": أفسس5: 6= كولوسي3: 5 و8

(19) "واجبات بيتية مطلوبة": أفسس5: 22-6: 9= كولوسي3: 8- 4: 1

(20) "السلوك في الخطية": أفسس2: 2, 4: 17= كولوسي3: 7

(21) "السلوك في القداسة": أفسس2: 10= كولوسي1: 10

(22) "افتداء الوقت": أفسس5: 16= كولوسي 4: 5

(23) "ترنيمات روحية": أفسس5: 19= كولوسي3: 16

(24) "الصلاة والتضرعات": أفسس6: 18= كولوسي4: 2

(25) "السر المعلن": أفسس1: 9, 3: 3= كولوسي1: 26 و27

(26) "الغنى": أفسس1: 7 و18, 2: 7= كولوسي 1: 27, 2: 26

(27) "الأجيال والدهور": أفسس3: 21= كولوسي1: 2

(28) "كلمة حق": أفسس1, 13= كولوسي1: 5

(29) "صفات تيخيكوس ومهمته": أفسس6: 21= كولوسي4: 7

(30) "المسيحيون مبنيون هيكلاً": أفسس2: 20= كولوسي2: 7

التشابه بين بعض عبارات في هذه الرسالة وفي أعمال20

"بكل تواضع": أفسس4: 2= أعمال20: 19

"مشورة الله": أفسس1: 11= أعمال20: 27

"القدرة الإلهية": أفسس3: 20= أعمال20: 32

"بناء المؤمنين": أفسس2: 20= أعمال20: 32

"ميراث القديسين": أفسس1: 14 و17= أعمال20: 32

 

جـ- كاتب الرسالة وظروف كتابتها

تحمل هذه الرسالة اسم بولس الرسول, مقروناً بالتحية في غرتها, كعادته في سائر الرسائل التي تحمل طابع قلمه الملهم.

وقد قُبلت هذه الرسالة على مر الأجيال حاملة اسم الرسول المبارك. وقرئت وفسّرت من جمهرة المفسرين مقرونة باسم بولس. هذه حقيقة تؤيدها سحابة من الشهود الأقوياء- فمن بوليكاربوس تلميذ يوحنا الرسول وأسقف أزمير, إلى تلميذه أيريناوس الذي نشأ في آسيا الصغرى في القرن الثاني للميلاد. إلى إغناطيوس الذي عاش في أواخر القرن الثاني, إلى سائر اللاهوتيين والمفسرين في جميع العصور. فمع أن الآراء قد تباينت وتشبعت في حقيقة من كُتبت إليهم هذه الرسالة, إلا أنها أجمعت كلها واتفقت على أن كاتبها هو بولس الرسول.

كتب بولس هذه الرسالة أثناء إقامته في روما- لا كما تمنى مرة أن يزور روما حراً طليقاً, معزياً ومتعزياً بالإيمان المشترك بينه وبين مؤمني روما- ولكنه حل فيها أسيراً سجيناً. غير أن ظلال السجن أتاحت له نوراً باهراً لم يهيئه له بهاء النور الطبيعي. وضيق غرفته قدم له سعة ورحابة, عز عليه أن يجد مثلهما في باحة العالم الفسيح. وأوقات خلوته ووحدته, هيأت له فرصة نادرة للتفكير العميق, والإلهام الحر الطليق, والاتصال الوثيق بالرفيق الأعلى, وفي الوقت نفسه أتاحت له فرصة نادرة للاتصال بزائريه من مختلف الأقطار والأمصار (أعمال28: 30).

لقد أجمعت كلمة آباء الكنيسة الأولين, على أن بولس هو كاتب هذه الرسالة. وجلهم أضاء صفحات كتاباته بمقتبسات من هذه الرسالة على اعتبار أن بولس كاتبها.

غير أن هذه الإجماع لم يخل من اعتراضات قامت في سبيله: بعضها سلبي, والبعض الآخر إيجابي:

في مقدمة الاعتراضات السلبية: إن الرسالة خالية من كل طابع شخصي للرسول. فلا مكان فيها لتحيته الشخصية التي ألفناها منه في سائر رسائله. ولا مجال فيها لظروف الكنيسة المحلية الخاصة, كما في كورنثوس وروما وغلاطية.

ومن الاعتراضات الإيجابية: إن أسلوب الرسول في هذه الرسالة, يختلف بعض الاختلاف عنه في سائر رسائله. فبين دفتي هذه الرسالة نلتقي بكلمات "فذة" لا نعثر على مثلها في سائر كتابات الرسول. وسياق الفكر في هذه الرسالة يمتد بالكاتب إلى مدى بعيد, فيخرجه طوراً عن الموضوع الأصلي , وتارة يفتح أمامه أبواباً جديدة. فضلاً عن ذلك, فإن العقائد المتضمنة في هذه الرسالة, قد عولجت بطريقة لا عهد لنا بها في كتاباته الأخرى.

لكن هذه الاعتراضات- أوجلها- تتضاءل, ولعلها تضمحل, أمام نور الحقائق الآتية:

فالتاريخ المسيحي في جانب الرأي القائل إن بولس هو كاتب هذه الرسالة ولا شك في أن العلماء الناقدين الذين عاشوا في القرون المسيحية الأولى, هم خير حكم في هذا الموضوع, لأنهم كانوا قريبين من ذلك العهد, فتعتبر شهادتهم كأنها شهادة عيان, فيتم فيهم ذلك القول المأثور: "وشهد شاهد من أهلها".

أما السبب في خلو هذه الرسالة من الإشارات الشخصية, فقد يظهر لنا متى جئنا إلى بحث هذا السؤال: "إلى من كتبت هذه الرسالة؟".

ومن جهة اختلاف أسلوب الرسول في هذه الرسالة, عنه في سائر رسائله, فالسر فيه يرجع إلى أن أسلوب الكاتب الواحد قد يتخذ أشكالاً مختلفة, باختلاف الموضوعات التي يعالجها, وفوق ذلك فإن رجلاً خصيب العقل كبولس, قوي الإلهام كرسول الأمم, لا يمكن أن يتقيد بأسلوب خاص, في كل رسائله. ويقيننا أن هذا الاعتراض حجة في جانب الرسول, لا عليه.

أما عن كون الرسول قد عالج في هذه الرسالة عقائد لم يعالجها في غيرها أو بطريقة غير طريقته المعهودة, فإن هذا يُعزى إلى أن معلماً عظيماً كبولس, لا بد أن يخرج من كنزه جدداً وعتقاء, سيما وأن أحوال كل كنيسة تختلف عنها في الأخرى. ومن المفروض أن المؤمنين يتقدمون "من نعمة إلى نعمة" ومن "درجة في التمييز إلى درجة أرقى" فمن الطبيعي أن يزاد لهم النور بقدر ازديادهم في المعرفة, والفهم, والقابلية. وفي اعتقادنا أنه لو كانت العقائد في هذه الرسالة, مقصورة على العقائد التي تناولها الرسول في رسائله الأخرى لاعتبرت هذه حجة ضد كتابته هذه الرسالة, ولقيل لنا إن هذه الرسالة ليست من كتابات بولس؟ بل بقلم شخص أراد أن يحاكيه في الكتابة فنقل نحن ولم يحسن النقل, لأن هذه الرسالة لم تأتنا بعقيدة جديدة!!!

فالمعترض لا يكف عن الاعتراض, ولو كان الحق واضحاً كالنهار!. وما أجمل ما قال العلامة هوسن في هذا الصدد: "ليس لنا من جواب على كل معترض سوى أن نقول واثقين: لا يمكن أن يكون لهذه الرسالة من كاتب سوى بولس الرسول. فقد شهد أريناوس في بدء القرن الثاني أن بولس هو الكاتب. فمن إذاً بين بولس وأيريناوس, يكون كاتباً لهذه الرسالة؟ إن وجد شخص مثل هذا, فلا بد أن تكون له مؤهلات لا تقل عن مؤهلات بولس- في سلامة الأسلوب, وسلامة الذوق, ودقة التعبير, وإلهام متصل بباب السماء, ووداعة تمس أهداب الأرض, وصلابة في الحق, وقوة في الشعور, ونور في العقل, ونار في القلب. فإن لم يكن بولس هو الكاتب, فلا بد أن يكون أفضل من بولس!! فمن هو إذاً؟ أليس الأفضل أن نسلم بأنه هو بولس؟!

 

د- إلى من كتبت هذه الرسالة؟

من المسلَّم به, أن العبارة "في أفسس" المتضمنة في العدد الأول, ليس موجودة في بعض النسخ الخطيّة القديمة. وإلى هذه الحقيقة يُعزى السبب في خلو هذه الرسالة من الإشارات الخاصة إلى الظروف المحلية المحيطة بكنيسة أفسس, مما حدا بجل الباحثين أن يستنتجوا أن هذه الرسالة "دورية" أُرسلت إلى كنائس تضمها معاً مقاطعة واحدة- من ضمنها أفسس, وأن الرسول ترك "فراغاً" في العنوان ليملأ باسم الكنيسة التي يأتي دورها. وأن النسخ الخطيّة المحتفظة بهذه العبارة: "في أفسس", هي صورة طبق الأصل للنسخة الأولى التي أرسلت إلى أفسس بالذات, باعتبار كونها إحدى تلك الكنائس أو "مفتاحها".

ومتى ذكرنا أن تيخيكوس حمل هذه الرسالة مع رسالة كولوسي, وأن اسمه مذكور في كل من الرسالتين بكل حب وإجلال وإكرام (كو4: 7 و8, أفسس6: 21 و22). وأن هاتين الرسالتين تتشابهان في مواضع غير قليلة, تبين لنا أن هذه الرسالة, هي في الغالب تلك التي ذكرت في رسالة كولوسي باسم "الرسالة إلى لاودكية" (كو4: 6).

وبما أن أفسس كانت على رأس مدائن تلك المقاطعة, ومتقلدة زعامتها سياسياً, وعلمياً, واجتماعياً, ودينياً, وأنها كانت "مفتاح" مقاطعة آسيا الصغرى, فكان من الطبيعي أن ترسل هذه الرسالة إلى كل تلك الكنائس "عن طريق" كنيسة أفسس. وإلى هذا يعزى السبب في وجود العبارة: "في أفسس" في كثير من النسخ الخطية القديمة جداً.

هذه هي أفسس عاصمة الدولة الرومانية في آسيا الصغرى. لقد امتازت بغناها الجزيل, وفنها المبدع, ومعبدها الذي فاق كل طارف وتليد, إذ سلخ من الدهر 220 سنة في إقامته, فشيد على 127 عاموداً, وبلغ طوله425 قدماً, وعرضه220 قدماً, وارتفاعه70 قدماً- هذا هو هيكل ديانا.

هذه هي أفسس التي كانت قبل بزوغ شمس الإنجيل, متحلية بجمالها القبيح, متعظمة بغناها المفتقر, متفاخرة برفعتها الحقيرة‍ ولكن عندما غمرها نور الإنجيل, خرت "ديانا" ساجدة عند قدمي الناصري المصلوب.

ولكن أين هي أفسس الآن؟ لقد أضحت أثراً بعد عين. لأنها اكتفت بالمظهر دون الجوهر, وانصرفت بـ "الاسم" عن "الحقيقة", "فتركت محبتها الأولى" (رؤيا2: 5).

ولئن ذهبت أفسس, فإن رسالتها خالدة. ولئن مضى الرسول فالؤسالة باقية. فالسموات والأرض تزول, ولكن كلمة الله لا تزول. فلنتقدم إلى دراسة هذه الرسالة بروح التخشع والتعبد, طالبين من روح الله, أن يعلن لنا ما خفي منها وما استتر, وأن يحقق لنا في حياتنا العملية, ما وضح منها وما ظهر, لأنها في الواقع كتبت لنا نحن الذين امتدت بنا الأيام إلى هذا العصر.