القائمة الرئيسية

ابحث في الموقع

التسجيل

عدد الزائرين

free counters
 

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 54 زائر متصل
الرئيسية

رسالة أفسس - الأصحاح الخامس

الإصحاح الخامس

 

المسامحة في المسيح

في هذا الاصحاح ، استأنف الرسول كلامه الذي اختتم به الأصحاح السابق: "كما سامحكم الله أيضاً في المسيح". فاتخذ من كلامه هذا، باعثاً إيجابياً، يحمل المكتوب إليهم على السلوك في جدّة الحياة، باعتبار كونهم"أولاد أحبّاء الله" الذي "سامحهم أيضاً في المسيح".

إن هذه المحبة القدسية المضحية التي وجهها إلينا الآب السماوي ، في شخص المسيح المصلوب لأجل خطايانا، والمقام لأجل تبريرنا، هي مبعث التسامح بين المؤمنين، وهي أقدس حافز لهم على قداسة الحياة:وحياة القداسة. وهي النار التي تلهب قلوبهم في الخدمة، إذا هم أعيوا في مسالكها الوعرة، وهي النور الذي يلهم بصائرهم فيهديهم في جهاد الحياة المحفوف بالمكاره. هي" همزة الوصل" بين المؤمنين إذا انقطعت بينهم صلات المودة، وهي" همزة القطع " بينهم وبين"إنسانهم" العتيق الفاسد!

في نهاية الأصحاح السابق، ناشد الرسول المكتوب إليهم، أن يخلعوا الإنسان العتيق، ويقلعوا عن أعماله. فكان كلامه منصباً بنوع خاص،على الخطايا التي تثير عوامل الشحناء والبغضاء بين المؤمنين، فنفسد عليهم تضامنهم، وتعبث بوحدانيتهم المقدسة التي هي مركز الدائرة في هذه الرسالة.

لكنه في هذا الإصحاح، حضّهم على نبذ الخطايا التي تدنّس دعوتهم المقدسة، وتمتهن الاسم الشريف المقدس الذي دعي عليهم باعتبار كونهم أبناء الله القدوس. فمن أقدس واجباتهم، أن يكونوا قديسين "كما أن أباهم الذي في السموات هو قدوس"، فذكرنا الرسول بتلك الكلمة الخالدة التي فاه بها مخلصنا المجيد: "فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل" (متى5: 48).

فكأنه في ختام الإصحاح السابق، حضهم على نبذ الخطايا التي تؤثر في صلتهم ببعضهم البعض كمؤمنين. وفي مطلع هذا الإصحاح حرضهم على ترك الخطايا التي تمس سمعتهم ومقامهم، لدى العالم الخارجيّ، مردّداً جوهر كلمة قالها في مناسبة أخرى "اسلكوا بحكمة من جهة الذين هم من خارج".

المسيحي في حياته الاجتماعية

 (5: 21-1)

-ا- اسلكوا في المحبة، فينتزع الفساد (5: 1-5)

-ب- اسلكوا في النور،فيطرد الظلام (5: 6-14)

-ج-اسلكوا بحكمة، فتبعد الجهالة (5: 15-21)

عدد1 (1) خير باعث على السلوك في المحبة (5: 1):

1فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاَللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ،

في الفصل السابق، بدأ الرسول كلامه، بذكر الرذائل التي حضّ المؤمنين على نبذها، وأردفها بالفضائل التي أرادهم أن يتمسكوا بها، ثم توّج كلامه بذكر الباعث على الترك والتمسك. لكنه في هذا الإصحاح استهل كلامه بذكر الباعث الرئيسي الذي يرفعهم عن الدنايا، ويدفعهم إلى الفضائل العليا، وهو التمثل بالله في محبته المتسامحة المضحية التي ظهرت في المسيح المصلوب: "فكونوا متمثلين بالله كأولاد أحباء. واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة". إن خير باعث على المحبة، هو المحبة نفسها. لأن كل شئ يلد نظيره.

"كونوا متمثلين بالله كأولاد أحبّاء"- تعتبر هذه الكلمات حلقة اتصال بين ختام الإصحاح السابق، ومطلع هذا الإصحاح. لأن الإقتداء بالله في محبته المتسامحة المضحية، هو الطابع الخاص الذي يجب أن تتميّز به حياة أولاد الله، فيحيا كل منهم، في دائرته الضيقة، حياة تحاكي- على نوع ما- حياة الله المتجلية في دائرة النعمة، فيبرهنون بذلك على أنهم أبناء الله الكليّ المحبة، بل الذي هو محبة،لأن من أقدس واجباتهم أن يقتدوا بأبيهم السماوي.

وبما أن لكلّ صوت صدى من جنسه، فمن الطبيعي أن يظهر المسيحيون نحو الآخرين، نفس الشعور الذي أظهره الله نحوهم-المحبة، فيكونوا محبين لغيرهم. بقدر ما صاروا هم محبوبين من الله، فيصبحوا كأنهم محاصرون بالمحبة من كل صوب: من خلف ومن قدام ومن فوق ومن أسفل- فتكون المحبة جواً مقدساً فيه يحيون، ويتحركون، ويوجدون، لأن حبهم للآخرين هو وليد حب الله لهم.

"كأولاد أحباء"- هذا باعث سام شريف، بل هو أسمى البواعث وأشرفها: "كأولاد أحباء"- لا كعبيد يملكهم الرّعب كلما لمحوا سيدهم، ولا كجبناء يبغون الفرار من عذابات الجحيم، ولا كنفعيّين يسعون وراء ثواب النعيم، بل "كأولاد أحباء" ملأت المحبة قلوبهم، فأضحت لأقدامهم قوة دافعة إلى الأمام، ولأشخاصهم أجنحة رافعة إلى العلى، في سبيل التضحية، والرحمة والمحبة، فيسلكون بروح البنين، ودالة البنين، وحرية البنين.

عدد2 (1) أعلى قياس للسلوك في المحبة (5: 2):

2وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضاً وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَاناً وَذَبِيحَةً لِلَّهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً.

إن محبة الله لنا، قد تجلت بأسمى مظاهرها في محبة المسيح لنا، إذ "أسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة". فقدّم لنا بذلك خير باعث، وأعلى قياس لسلوكنا في المحبة.

وكما أن كلام الرسول في العدد الأول مستمد من كلام المسيح في الموعظة على الجبل (متى5: 48)، كذلك كلامه في هذا العدد الثاني يعتبر ترديداً لصدى كلام المسيح في خطابه الوداعي لتلاميذه: "وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً".. "هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم"..."ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه"..."أنتم أحبائي إن فعلتم ما أوصيتكم به" (يوحنا13: 34، 15: 12-14).

استهل الرسول هذا العدد، موجهاً الخطاب إلى المكتوب إليهم: "واسلكوا...". لكنه ما كاد يصل إلى الكلام عن محبة المسيح حتى بدّل ضمير المخاطب بضمير المتكلم: "كما أحبنا المسيح"، لأنه لم يطق أن يذكر شيئاً عن محبة المسيح ويظل هو بعيداً عن دائرتها القدسية المجيدة. هذه الدائرة التي تعاظمت فيها مطامع بولس الرسول لدرجة أنه احتكرها مرة لنفسه إذ قال: "الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي" (غلاطية2: 20). وفي هذا فليتنافس المتنافسون، لأنه "حسنة هي الغيرة في الحسنى". في العدد حدّثنا الرسول عن عمل المسيح الكفاري في جانبيه:

أولهما في كونه ثمناً لحبه للإنسان: "كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا...".

في هذا الجانب يتجلى لنا العنصر المستقل الاختياري في هذه المحبة: "...كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه"، هذا دليل على أن محبة المسيح لنا لم تكن مجرد تعبير عن محبة الله لنا، لكنها محبة شخص له عاطفة مستقلة نحونا. إلا أن محبة الله لنا، هي بعينها محبة المسيح لنا، وما محبة الله ومحبة المسيح سوى وصفين جامعين للمحبة الإلهية الواحدة:الأول يصفها في جوهرها، والثاني يصفها في مظهرها. (1بط4: 2و3،5: 5).

 

هذه محبة-ا- تطوعية اختيارية: "أسلم نفسه". إن كلمة "أسلم" تفيد التسليم التام التطوّعي، الاختياري، ليس فقط بغير إكراه ولا مقاومة، بل بروح حرّ منتدب، كأنه مقدم على عمل يريده هو، بل يتوق إليه، لا كأنه أريد عليه، فهو أحبنا لأنه أراد. نعم لا جدال في أنه قدّم نفسه للصلب إتماماً لبرنامج الفداء العجيب الذي دبره الآب منذ الأزل، إلا أن هذا البرنامج لم يفرض على المسيح فرضاً، لكنه مستمد من روحه الأزلي الذي به قد قدّم نفسه ذبيحة عنّا، لأنه أحب، وأحب لأنه أراد.

-ب- هذه أيضاً محبة فدائية، مضحية: "لأجلنا" أو بدلاً منا، أو عوضاً عنا. ومتى ذكرنا ما للمسيح من سمو، وقداسة، وإكبار، وما نحن فيه من انحطاط، ونجاسة، وصغار، تبينت لنا التضحية الكبرى التي تكبدها السيد في سبيل افتدائنا من آثامنا. ناهيك عن كونه قد أحبنا ونحن أعداء، غير مستحقين لشئ من هذا الحب العجيب (رومية5: 8.5، غلاطية2: 20، يوحنا15: 13، غلاطية3: 13).

الجانب الثاني: عمل المسيح الكفاري في صلته بالآب: "قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة". هذا دليل على أن عمل المسيح الكفاري وافق رغبة قوية في قلب الله، ووفّى مطلباً جليلاً أوحت به عدالته، وصادف رضى ممتازاً في نفسه تعالى.

" قرباناً، ذبيحة، رائحة طيبة"- تذكرنا هذه الكلمات بأخرى مماثلة لها، سطرها الرسول في رسالة معاصرة لهذه: "قبلت من أبفرودتس الأشياء التي من عندكم نسيم رائحة طيبة مقبولة ذبيحة مرضية عند الله"( فيلبي 4: 18). وبما أن بولس يهودي الأصل والثقافة،

فمن الطبيعي أن يكون قد استقى هذه التعبيرات من سفر اللاويين (الأحبار). وبرجوعنا إلى هذا السفر، يتضح لنا إن العبارة" رائحة طيبة" –"رائحة ارتياح" استعملت وصفاً لثلاثة أنواع من التقدمات -ا- القربان (لاويين2: 2) وهي تعني أصلاً الذبيحة الغير دموية، ولكنها قد تشمل الذبيحة الدموية لأنها مكملة لها، وقد أريد " بالقربان" التكفير الذي به يرد الشعب إلى رضى الله والتقرب منه –ب- المحرقة-"لاويين1: 9"- وهي تعني حرفياً الذبيحة الصاعدة بتمامها إلى السماء، فلا يأكل منها الكاهن شيئاً. وهي رمز إلى تكريس النفس بتمامها لله - ج- ذبيحة السلام- (لاويين3: 5.1)، وهي رمز إلى الشركة المقدسة مع الله المعبّر عنها من جانب الإنسان، بالحمد والشكر.

 

ومتى ذكرنا أن هذه الثلاثة الأنواع من الذبائح لم تكن سوى رمز للمسيح ذبيحتنا الأعظم، تبيّن لنا أن المسيح قدم نفسه لله عنا، قرباناً ليكفر عن آثامنا وليجلب علينا رضى الله. ومحرقة، دليلاً على تكريسه التام للغرض الأسمى الذي تجسد لأجله: "لأجلهم أقدس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضاً مقدسين في الحق" (يوحنا17: 19)، وذبيحة سلامة، لأنه وهو الإله الكامل، والإنسان الكامل، قد صنع سلاماً بين الله والناس بشخصه الممتاز.

هذه هي محبة المسيح الفدائية، الكفارية، التطوعية، وبها قدم لنا أعلى قياس للمحبة التي ينبغي أن نحب بها بعضنا البعض. لأنه أحبنا حتى الموت، بل قدم لنا أشرف باعث لهذه المحبة، إذ قدّم نفسه ذبيحة اختيارية: "والمعطى المسرور يحبه الرب". ومتى كان حبنا لبعضنا البعض سامياً، خالصاً، فإن حبنا هذا يحسب ذبيحة تعبدية لله فليتقبلها منا نسيم رائحة طيبة.

إن طاعة المسيح التي أظهرها بتقديم نفسه كفارة عنا، قد تقبّلها منه الآب "نسيم رائحة طيبة". فليس الله محباً للذبائح، ولا لسفك الدماء، ولا لرائحة المحرقات- كما توهم باطلاً أحد الكتاب العصريين-تعالى الله عن ذلك علوّاً عظيماً! لكنه يحب الطاعة، ويريد الرحمة لا الذبيحة.

(3) فلول الظلام تولي الأدبار أمام جيوش المحبة (5: 4.3):

وَأَمَّا الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ، 4وَلاَ الْقَبَاحَةُ، وَلاَ كَلاَمُ السَّفَاهَةِ وَالْهَزْلُ الَّتِي لاَ تَلِيقُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ الشُّكْرُ.

كرس الرسول العددين الأولين من هذا الإصحاح للمحبة الإلهية، التي يكنّها قلب الآب نحونا منذ الأزل،فأظهرنا لنا في ملء الزمان بتقديم المسيح نفسه ذبيحة عنا. هذه هي أشعة أنوار محبة المسيح الني انبعثت نحونا من فوق الصليب. وهي التي تولد في قلوبنا حباً من جنسها نحو بعضنا البعض.

غير خاف أن النور سطع في مكان ما، طرد الحشرات الكامنة فيه. ولدى التأمل، يتضح أن الرسول، بعد أن أماط اللثام عن شدة أنوار المحبة الإلهية (عدد1)، وبعد أن أظهر لنا قوة أضواء المحبة الأخوية المسيحية، لم يبق أمامه سوى أن يكشف الغطاء عن فلول الظلام التي تطاردها جيوش أنوار المحبة، حتى تطردها. هذا موضوع كلام الرسول في العددين التاليين (عدد4.3). وبين جيوش المحبة وفلول الظلام، تقف كلمة: "وأما" عند قائم بين مياه عذبة ومياه آمنة، وكحد فاصل بين أنوار الحياة الجديدة وظلمات الحياة العتيقة في سجل الخليقة الجديدة. مثلما كان اليوم الأول في سجل الخليقة الأولى، فاصلاً بين ظلمات الأرض الخربة المغمورة، وأنوار الأرض الجديدة المعمورة!!.

صفّ الرسول جيوش الظلام في فيلقين- كل منهما فيلق ثلاثي

عدد3 الفيلق الأول: "الزنا،النجاسة،الطمع- هذه مرة أخرى، فيها يقرن الرسول خطية النجاسة بخطية الطمع (راجع4: 19).

والظاهر أن الكلمة اليونانية المترجمة "الطمع" تنطوي على معنى أعم من الطمع وأوسع. فهي تعيّن اتجاه حياة الإنسان الذي يعيش لذاته، لأن من عاش لذاته اليوم، عاش للذّاته غداً. فإن حياته تصح بلا ضابط سوى ميوله الخاصة التي لا تعرف حداً للشبع. فيتخطى المرء حقوقه متعدياً على حقوق الآخرين، وفي النهاية يبلغ حد الطمع الأشعبي. وغير خاف أن هاتين الخطيتين- النجاسة والطمع-مشتقان من مصدر واحد: هو عدم الاكتفاء، وهو وليد حب الذات. وما من شك في أن هذا الحافز الذي يدفع إنساناً ما إلى النجاسة، هو بعينه الذي يدفع إنساناً آخر إلى الطمع (1تس4: 3-6).

ولقد أحاط الكاتب هذا المثلث الفاسد: "الزنا،النجاسة،الطمع" بإطار أسود قاتم، محذراً المكتوب إليهم من الخطايا المكوّنة لأضلاعه، فلا يذكر ولا سيما فيما بينهم كقديسين، لأنها والقداسة على طرفي نقيض- والقداسة والقديسون من مصدر واحد وقد لوحظ مراراً أن التمادي في ذكر هذه الخطايا بأسمائها، ولو على سبيل التنديد بها، كثيراً ما يوقظ كوامنها الدفينة في الطبيعة البشرية، ويفتح أمام الأصاغر أبواباً جديدة في سبل ارتكابها، لذلك قال عنها الرسول في موضع آخر "ذكرها أيضاً قبيح" (5: 12)ز فالتلميح في هذا الباب قد يكون أفعل من التصريح. والإيجاز خير إعجاز، والصمت أبلغ من الكلام.

فليكن المؤمن نقيّ الحياة، عفّ اللسان، مصلياً على الدوام أن يجعل الرب حارساً على باب شفتيه. لأن عدم التحفظ في التكلم عن هذه الخطايا يعتبر تحريضاً للتجربة على أن تجرّبنا. وتحرشاً بهذه الخطايا لتقوم وتتحرش لنا.

فمن أوجب الواجبات على القديسين بالدعوة السماوية، أن يكونوا قديسين في حياتهم العملية على الأرض، بذلك يصبحون قديسين نظرياً، وعملياً.

عدد4 الفيلق الثاني- "القباحة،كلام السفلة،الهزل". غير خاف أن الرسول وضع الخطايا الكلامية في المستوى واحد مع خطايا الحياة العملية. لأن الكلام يسوق إلى الفعال، فكم من خطايا تحاول الدخول إلى مدينة نفس الإنسان، وإذ يتعذر عليها الدخول من أبواب الفعال، تلج باب الأقوال فتجده مفتوحاً على مصراعيه. وكم من كلمات قبيحة جرّت إلى أفعال ذكرها أيضاً قبيح.

 

الكلمة الأصلية المترجمة: "القباحة" لم ترد في العهد الجديد سوى هذه المرة. وهي في اللغة اليونانية القديمة (كلاسيك) من ذات المصدر الذي تشتق منه شرّ الأفعال وأقبحها.

وكذلك العبارة المترجمة: "كلام السفاهة" لم ترد في العهد الجديد سوى هذه المرة، وهي تعني التكلم عن الخطية بلسان "الجاهل" وروح الغبي المستخف بخطاياه وخطايا الآخرين.

أما الكلمة المترجمة: "الهزل" فهي تعني المزاح الثقيل والسخرية والسمجة التي يحاول بها المرء أن يدخل السرور على نفسه ونفوس سامعيه بالنيل من مقام الآخرين والحطّ من أقدارهم. والظاهر أن هذه العادة كانت شائعة بين سكان أفسس في ولائهم وسهراتهم، وهي أيضاً فاشية بين أقوام كثيرين في عصرنا الحاضر، ومنهم حذرنا كاتب المزمور الأول في غرة المزامير "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار، وفي طريق الخطاة لم يقف وفي مجلس المستهزئين لم يجلس". ومن المحقق أن من يستمد سروره من إيلام الآخرين لهو مطبوع بطابع حب الذات الذي هو"نبع كل نجاسة وطمع"، ولئن تنوعت الثمار، فالبزة واحدة. ويقول المؤرخون إن أهل آسيا كانوا متفننين في ضروب السخرية لأن الفيلسوف أرسطاطاليس كان يحسب المجون ضرباً من الفنون الجميلة! وغالى أحياناً فحسبه فضيلة! وقد استنتج أوليمبيودورس أن بولس الرسول شجب الهزل لدرجة لم يترك فيها مجالاً لكلام التفكهة الذي قد يكون أحياناً بريئاً، لأنه كان حريصاً على أن يبعدنا عن الشر، وشبه الشر. فكم من مجلس يبدأ بكلام "الهزل البرئ"، فيختتم بالكلام المبتذل[1].

ويعتقد بعض المفسرين أن كلمة: "لا تليق" تصف خطية الهزل وحدها لا كل الخطايا سالفة الذكر.

القوة الطاردة لكلام الظلام: " بل بالحري الشكر". إن الحياة المسيحية الحقة لا تكتفي بالأعمال السلبية، لأنها لا ترضى بالأعمال الإيجابية بديلا. فهي لا تقف عند حد الإقلاع عن كلمات القباحة، والسفاهة، والهزل، التي لا تليق، بل تتسامى بلغة الكلام فترتقي بها من الابتذال إلى الشكر. فتجعل من كلامنا عبادة مقدسة مرضية لله. فلا شئ يطرد الظلام، سوى النور، ولا قوة تذيب الثلج مثل قوة أنوار الشمس المشرقة. فبدل أن يكون كلامنا متجهاً اتجاهاً أفقياً عن الناس وإلى الناس، بنعمة التحقير والتشهير، يجب أن يتجه اتجاهاً عمودياً إلى الله بنعمة الحمد والتمجيد.

الكلمة اليونانية المترجمة "الشكر" (يوركارستيا) مجانسة في اللفظ والاشتقاق للكلمة "كارس" التي ترجمتها "نعمة" هذا هو كلام الشكر المشبع بنعمة، الذي يليق بأناس عرفوا الله، بل عرفوا منه وصاروا له أبناء.

ولا يفوتنا أن نذكر أن قوله: "لا تليق" يحمل ضمناً زجراً شديداً لا يقدّره إلا عارفوه: "اسلكوا بلياقة". فاللياقة لمن يقدرونها ويتذوقونها، لهي من أشرف البواعث وأقواها. فهي في عرف المؤمنين، لا تقل عن كلمة "حرام"، في لغة الغير المؤمنين. وهي تفيد التكافؤ، والتوافق، والتوازن- بمعنى أن حياة المؤمنين العملية على الأرض يجب أن تكون متكافئة ومطابقة لدعوتهم السماوية في الأعالي.

عدد5 الحرمان العظيم الواقع على أهل الظلام (5: 5):

5فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ، الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَانِ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ.

هذا كلام يقيني واضح، لا شئ فيه من الغموض والإبهام. ولا يأتيه اللبس من إحدى نواحيه، فلا مجال فيه للجدال أو المساومة: "فإنكم تعلمون هذا". ويجوز أن تترجم أيضاً إلى: "فإنكم تعلمون وتفهمون" فإن كنتم في شك من جهة حقائق أخرى، فلا مجال للشك في هذه الحقيقة لأنها واضحة كالنهار.

في العدد الحادي عشر من الإصحاح الأول، عرّف الرسول المكتوب إليهم "أنهم في المسيح نالوا نصيباً" وفي العددين الثالث عشر والرابع عشر من ذات الإصحاح، قرر أنهم "ختموا بروح الموعد القدوس الذي هو عربون ميراثهم"، فمن الطبيعي أن يعرّفهم هنا أن من يقع في الخطايا سالفة الذكر (5: 4.3) يحكم على نفسه بالحرمان من هذا الميراث المجيد. لا لأنه كان له فأضاعه، بل لكونه غير أهل له من البداءة: "لأنه أية خلطة للبر والإثم وأية شركة للنور مع الظلمة وأي اتفاق للمسيح مع بليعال، وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن. وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان" ( 2كو 6: 14-16)...... "عابد الأوثان ليس له ميراث في ملكوت المسيح".

(1)الخطايا: هذه هي الحقيقة. المرة اللاذعة – والحق بطبيعته مرّ – "إن كل زانٍ أو نجس أو طماع الذي هو عابد للأوثان ليس له نصيب في ملكوت المسيح والله". في هذه الكلمات، وضع الرسول خطية الطمع في مقامها اللائق بها، إذ أحاطها بخطيتين شنيعتين :النجاسة عن يمينها، وعبادة الأوثان عن يسارها: "نجس.. طماع ... عابد أوثان". فالطمع وليد النجاسة وشريكها، وهو والد عبادة الأوثان. وأم الجميع هي محبة الذات.

 

قال لتيفوث في هذا الصدد: الرجل الطماع يضع نصب عينيه معبوداً آخر شريكاً لله"-أو بعبارة أدق-" معبوداً آخر بديل الله".

إن من يقع في منطقة هذا المثلث الفاسد. "النجاسة، الطمع، عبادة الأوثان" يحكم على نفسه بأنه لم ينتقل بعد من ملكوت الظلمة. فهو إذاً متغرب عن إسرائيل الروحي،لأنه باقٍ في ظلام أميته الوثنية: وهو بحكم الطمع "أجنبي عن رعوبة إسرائيل غريب عن عهود الموعد"، لأنه بطبيعته من "أبناء الغضب" وأتى لابن الغضب أن يكون له" ميراث في ملكوت المسيح والله؟".

(2) الحرمان: عبرّ الرسول عن النصيب الذي يحرم منه كل نجس أو طماع بكلمة: "ميراث:، وهي تعبير مجازي يكنى به عن نيل الحياة الأبدية في الحال ، والتمتع بكمال مجدها ، ومجد كمالها ، في الاستقبال (مرقس 11: 17 ومتى25: 34، يعقوب 2: 5، كو15: 20).

الكلمة اليونانية: " كليرونوموس" المترجمة"ميراث" تعني النصيب الذي يتمتع به الإنسان في الحال بحكم الامتلاك، أو النصيب الذي يكون من قه أن يتمتع به في الاستقبال.

فالمعنى الأول يعين" ميراث" المؤمن في ملكوت النعمة، والمعنى الثاني يعين"ميراثه" في ملكوت المجد.

أم ماهية هذا "الميراث" فقد أشار إليها الرسول بقوله: "ملكوت المسيح والله". هذا تعبير فذ لم يرد في الكتاب سوى هذه المرة. وهو يفيد أن الملكوت واحد لا اثنان. ولكنه نسب إلى المسيح باعتبار كونه الفادي الوسيط الذي تسلم هذا الملك من الآب لينفذ فيه برنامج الفداء، ومتى أتمََّ عملية الفداء يسلم الملك لله الآب (1كو 15: 27 و 28) .

ونسب هذا الملكوت إلى الله باعتبار كونه الملك النهائي على هذا الملكوت. ويغلب على اعتقادنا- والحالة هذه- أن الرسول أراد "بملكوت المسيح" ،" ملكوت النعمة"، "بملكوت الله"،"ملكوت المجد". فالعبارة الأولى تعني " الكنيسة المجاهدة على الأرض و الثانية تعني " الكنيسة الممجدة " في السماء . فيكون معنى العبارة : " ليس له نصيب في ملكوت المسيح والله". أن ليس له نصيب في الحياة الأبدية- لا في الحال ولا في الاستقبال لا بالتمتع ولا بحق الامتلاك. مع العلم أن المسيح ملك على ملكوت المجد أيضاً. والله ملك على ملكوت النعمة أيضاً (رؤيا11: 15 ، كو1: 13) إن في قوله" ملكوت المسيح والله" برهاناً ضمنياً على أن المسيح إله تام . و إلا فهل كان الرسول يجسر أن يضع اسم المسيح جنباً إلى جنب مع اسم الله في السيادة على هذا الملكوت ؟ وإن لم يكن المسيح إلهاً، فما بولس إلا مشركاً!؟ وحشاك من هذا يا رسول الأمم – حاشاك!! ولم لا تعتبر الواو في كلمة "والله" واوً وصفية لا عطفية، فتفسر هذه العبارة على هذه الصورة: " ملكوت المسيح الذي هو الله؟" – هذا رأي الدكتور هودج، وهو في عرفنا أقرب الآراء إلى الصواب.

موقف أبناء النور تجاه الظلام وأعوانه (5: 6-14)

أولاً:موقف أبناء النور تجاه أهل الظلام (5: 6(ا) )

(1) الموقف: لا تغتروا بكلامهم الباطل (5: 6(ا) )

-1- الباعث: "لأنه بسبب هذه الأمور" (5: 6(ب) )

(2) الموقف: لا تشاطروهم حالهم ولا مالهم(5: 7)

-ب- الباعث: "لأنكم كنتم قبلاً.. والآن" (5: 8(ب) )

ثانياً: موقف أبناء النور إزاء دعوتهم (5: 8(ب)-10)

(أ‌) الموقف: "اسلكوا كأولاد نور" (5: 8(ب) )

-ب- ثمر النور: "لأن ثمر الروح هو في كل صلاح..." (5: 9)

-ج- الباعث على السلوك في النور: "مختبرين..." (5: 10)

ثالثاً: موقف أبناء النور تجاه أعمال الظلمة (5: 11-13)

-ا- الموقف: (1) سلباً: "لا تشتركوا" (5: 11(ا) )

(2) إيجاباً: "بل وبخوا" (5: 11(ب) )

-ب- الباعث: (1) لأن الأمور الحادثة سراً...قبيح (5: 12)

-ج- تأثير النور على الظلام "لأن الكل إذا توبخ يظهر..." (5: 13)

كلمة ختامية: معدن النور الذي يجابه الظلام- نور المسيح (5: 14)

قال القديس برنارد: "الهزل بين أهل العالم، يحسب مزاحاً. لكنه بين المؤمنين يحسب تجديفاً".

وقيل عن جونسون الأديب الكبير إنه كان يوماً مع أحد رفاقه فسمع على مقربة منه جماعة من خدام الذين يمزحون ويهزلون آملين أنهم بمزاحهم يكسبون إعجاب ذلك الأديب الكبير، لكن الرجل التفت إلى زميله وقال: "إن مزاح هؤلاء الخدام من أكثر العثرات لي في الحياة".

موقف أهل النور تجاه الظلام وأعوانه

 (5: 14-6)

ركّز الرسول في هذه الأعداد، الأوامر والنواهي التي ذكرها في الأعداد السابقة

(5: 1-5)، مفرغاً إياها في قالب مجازي عن النور والظلام، أو بعبارة أخرى: عن موقف أبناء النور تجاه الظلام وأعوانه. وعلى هذا الاعتبار نقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

أولاً: موقف أبناء النور تجاه أهل الظلام (5: 6-8 (ا) )

ثانياً: موقف أبناء النور إزاء دعوتهم هم (5: 8 (ب)-10)

ثالثاً: موقف أبناء النور تجاه أعمال الظلمة (5: 11-14)

أولا: موقف أبناء النور تجاه أهل الظلام (5: 6-8 (ا) )

أوضح الرسول موقف أبناء النور تجاه أهل الظلام في عبارتين سلبيّتين، معقباً على كل منهما بباعث خاص. فهو إذاً موقف مزدوج.

عدد6 (1):

6لاَ يَغُرَّكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ بَاطِلٍ، لأَنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأُمُورِ يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ. الجانب الأول من هذا الموقف: عدم الاغترار بالكلام الباطل الذي يذيعه أهل الظلام: "لا يغركم أحد بكلام باطل". كانت أفسس في ذلك العصر مرتعاً للآراء الفلسفية ووكراً للشيع الدينية المتباينة- بينها شيعة الغنوسيّين التي كانت تذيع تعاليم سفسطة، مفادها أن الحياة العملية مستقلة تمام الاستقلال عن الحياة النفسية فيحق للمرء، والحالة هذه، أن يتصرف كما يحلو له في دائرة الجسد، من غير أن يؤثر هذا التصرف الأدبي في موقفه الروحي- فيشاطر أهل الظلام تصرفاتهم، ويشاطر أبناء النور عقيدتهم، فيصبح من أبناء الله في النهاية، ويمسي مع أبناء بليعال في الظلام. هذا هو "الكلام الباطل" الذي كانت تذيعه تلك الفئة العجيبة محاولة أن تستميل به بسطاء العقول، ضعاف الإيمان. هذا هو الكلام الملق، المعسول، الخادع الغدار، الذي يفيض لطفاً، وحقاً، وصلاحاً- في ظاهره، ويضمر القسوة والبطل والمفاسد في باطنه هذا هو الكذب الملبس بالصدق، والباطل المقنّع بالحق، والسمّ المختفي في الدسم. وإن وجدت في الباطل دركات، فإن أحطها ذلك الدرك الذي يهوى إليه الإنسان فيخفي خنجره بين باقة الرياحين، ويدس سهامه الملتهبة بين كؤوس الورود. وشر الأعداء من استعار وجه الصديق!!

"بكلام باطل"- استعمل الرسول هذه العبارة عينها في كولوسي2: 18 وصفاً للحجج الكفرية التي تقود إلى الإلحاد، وهي مبرقعة ببرقع التواضع.

ولعل الرسول أشار في رسالة سابقة إلى هذا "الكلام الباطل" الذي أفرغ في ذلك القالب المأثور: "الجوف للأطعمة والأطعمة للجوف" (1 كورنثوس6: 12).

-ا- الباعث على هذا الموقف- وقوع غضب الله على أبناء المعصية "بسبب هذه ... يأتي غضب الله". تتجلى هذه الكلمات عن ثلاث حقائق:

(1) علة العقاب: "بسبب هذه الأمور"- أعني بسبب تلك الخطايا الصادرة عن الجسد، المذكورة في العدد الخامس. فهي ليست معفاة من العقاب كما ظنت شيعة الغنوسيين باطلاً. لكنها تجلب غضب الله على أبناء المعصية. ويظن بعضهم أن "هذه الأمور"، هي الكلام الباطل، لكن الأول هو الأصوب.

(2) أهل العقاب: "أبناء المعصية". هذه هي المرة الثانية التي تصادفنا فيها هذه العبارة في هذه الرسالة- فتصدمنا. فقد سبقنا والتقينا بها في العدد الثاني من الإصحاح الثاني، فاطلب تفسيرها هناك.

(3) ماهية العقاب: "يأتي غضب اللهط في تلك المناسبة السابقة (2: 3.2) أشار الرسول إلى عقب أبناء المعصية بكلمة مركزة: "وكنا بالطبيعة أبناء الغضب". فاطلب تفسيرها في موضعها.

ويكفي أن نذكر هنا أن هذا الغضب ليس ناتجاً عن حقد شخصي موجه إلى الأشرار من قبل الله جل وعلا- تعالى الله عن ذلك علواً عظيماً! لكنه غضب عقابي منشأه عدم رضاه تعالى عن تصرفاتهم، على رغم كونه يحب أشخاصهم، لكنهم جعلوا أنفسهم مستحقين لهذا العقاب برفضهم كفارة المسيح، فصاروا أهلاً للغضب- بل من أبنائه.

 

إنه عقاب منصبّ عليهم في العالم الحاضر (رومية1: 27). وهو لهم بالمرصاد في العالم العتيد (رؤيا21: 8). ونسبة الغضب الحاضر إلى الغضب العتيد، كنسبة الزهرة إلى الثمرة أو كنسبة العربون إلى الثمن الكامل. أو كنسبة النعمة إلى المجد- مع الفارق!!

عدد7 :

7فَلاَ تَكُونُوا شُرَكَاءَهُمْ.

(2) الجانب الثاني من الموقف: "فلا تكونوا شركاءهم"- أي لا تكونوا شركاءهم في تصرفاتهم لئلا تصبحوا شركاءهم في عقابهم. إن في هذا تذكيراً لطيفاً للمؤمنين من أهل أفسس، بعيشتهم السالفة التي كانوا عليها قبل إيمانهم بالمسيح، وحضاً قوياً لهم على الاتجاه إلى الأمام في مسلكهم، وتحذيراً فعالاً ضد الارتداد إلى الوراء.

وغير خاف أن المشاركة تتخذ مظاهر كثيرة وإن توحّدت في جوهرها فقد تتخذ المشاركة شكل التضامن التام سراً وجهراً. وقد تتخفى فتكتفي بالتحريض من وراء الستار وقد تقنع بمجرد المصادقة القلبية وابتسامات الرضى، ترسل عن بعد. هذا في الواقع أشر أنواع المشاركة. وهو ما ختم به الرسول قائمة الشرور التي اسودّت بها "غرة" رسالته إلى رومية: "الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت، لا يفعلونها فقط بل أيضاً يسرّون بالذين يفعلون (رومية1: 32).

عدد8 :

8لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ

ثانياً: موقف أبناء النور إزاء دعوتهم- في الماضي، والحاضر، والمستقبل (5: 8)

مرة أخرى أوقف بولس أهل كنيسة أفسس بين ماض محمّل بالآثام ومثقّل بالأوزار، وحاضر يشعّ منه نور الأنوار، ومستقبل مفعم برجاء الظفر والانتصار: "لأنكم كنتم قبلاً..." هذا موقفهم الماضي. "وأما الآن فنور في الرب"- هذا موقفهم الحاضر. "اسلكوا كأولاد نور"- هذا مسلكهم في المستقبل.

 

موقف في الماضي والحاضر: "كنتم قبلاً ظلمة...أما الآن فنور". هذا خير باعث يفصّل المكتوب إليهم عن ماضيهم الذي كان ظلاماً في ظلام، وعن حاضرهم الذي هو نور في نور. فهو شبيه بسيف ذي حدين- حده الأول يقطع الطريق من خلفهم كيلا يرجعوا إلى الوراء، ويقطع أمامهم الأشواك والمعاثر التي تعترض طريقهم في المستقبل.

"كنتم ظلمة...وأما الآن فنور"- هذه تعبيرات قوية مركزة، فلم يقل الرسول: "كنتم سالكين في الظلمة"،بل: "كنتم ظلمة" أي أنهم كانوا "الظلمة مجسّمة". ولم يقل: "وأما الآن فأنتم في النور"، ولا"أنتم تابعون للنور"، بل: "وأما الآن فنور".

وغير خاف أن الرسول وصفهم في ماضيهم وصفاً مطلقاً: فقال"كنتم ظلمة"- أي أنهم كانوا في أنفسهم ظلاماً في ظلام. لكنه حين أراد أن يصفهم في حاضرهم خلع عليهم وصفاً نسبياً، قائلاً: "وأما الآن فنور في الرب". أي أنهم ليسوا نوراً في أنفسهم، لكنهم"نور في الرب". فالظلام منّا وفينا، ولكن النور من الرب. أن نور المؤمنين ليس نور الشمس بل نور القمر، هو نور اكتسابي لا ذاتي. فإذا كان المسيح قد قال للتلاميذ: "أنتم نور العالم". فالإنسان يستنير أولاً ثم ينير. مثله مثل قطعة من حديد يجتذبها المغناطيس، فيكسبها قوة مغناطيسية تجذب إليها سائر المعدن.

موقفهم في مستقبلهم: "اسلكوا كأولاد نور" أن مستقبلهم مشتقّ من حاضرهم، كما تشتق الزهرة من البزة، والثمرة من الزهرة. فالحياة الروحية أساس السلوك العملي. والسلوك العملي مترجم عن الحياة الروحية.

إن قول الرسول: "اسلكوا كأولاد نور"، يذكرنا بكلام المسيح: "النور معكم زماناً قليلاً بعد. فسيروا في النور ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام...ما دام لكم النور آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور" (يو12: 25و26) وبمقابلة هذين القولين معاً، يتضح لنا، أنهما يصفان وجهين متكاملين لحقيقة واحدة. فكلام المسيح يرينا أن الطاعة العملية هي السبيل إلى الشركة مع اله،وكلام الرسول يعرفنا أن السلوك العملي هو برهان صحة شركتنا مع الله.

إن"أولاد النور" هم الذين يسلكون في النور مبتهجين فرحين، لأنهم في الجوّ الذي يناسب طبيعتهم، وفي البيئة التي تنمي ملكاتهم، وفي الوطن الروحي الذي يغذّي حياتهم. فيدخلون ويخرجون بكل حرية وسلام. فلا النور يؤذي عيونهم الرمداء، ولا هو يزعج ضمائرهم العوجاء.

 

"النور" هنا، تعبير مجازيّ يكنى به عن الشركة مع الله الذي هو النور- نور الحياة ونور الخلود فأبناء النور هم أبناء الله الذين صاروا بالميلاد الثاني"شركاء الطبيعة الإلهية" (2بطرس1: 4، 1تسالونيكي5: 4).

وقد لاحظ الأسقف وستكوت أن الكلمة المترجمة"أولاد" نور، نادرة الورود في العهد الجديد، وقد وردت فيه بصيغة الجمع فقط (لو7: 35و 1بطرس1: 14وغلاطية4: 28ورومية9: 8).

عدد9:

9لأَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرٍّ وَحَقٍّ.

–ب- ثمر النور: "لأن ثمر النور هو في كل صلاح، وبر، وحق". الكلمة المترجمة: "الروح" وردت في أغلب النسخ: "النور". وهذه تتمشى مع سياق الكلام في هذا الفصل. لأن الرسول تكلم في العدد السابق عن طبيعة المؤمن المتجدد. فقال إنها: "نور"، فمن الطبيعي أن يبين لهم ثمر هذا النور بسلوكهم العملي في جدة الحياة. وقد شبه الرسول هذا النور بشجرة حية مثمرة،ولعله اقتبس هذه الاستعارة من المزامير: "نور قد زرع للصديق" (مزمور97: 11). والفكرة التي ينطوي عليها قول الرسول في هذا العدد، هي أن النور الداخلي لا يلبث أن تشع أنواره فتظهر في الحياة العملية وإلا فهو نور صناعيّ رائف. لأن بزرة النور متى زرعت في القلب، لا بد أنها تثمر ثماراً تنبثق منها انبثاقاً طبيعياً. وهي ليست ثماراً على وتيرة واحدة، لكنها تتجلى في كل نواحي حياة الإنسان الشخصية، والاجتماعية، والروحية: "في كل صلاح وبر وحق".

"فالصلاح" يشير إلى صفات الإنسان الشخصية (رومية5: 7 (ا) )

"والبر" يعيّن صلة الإنسان في معاملاته مع الآخرين (رومية5: 7 (ب) )

"والحق" يشير إلى مبدأ حياة الإنسان في صلته بالله (يوحنا14: 6)

هذا هو مثلث الحياة الكاملة، الذي يتجلى فيه ثمر نور الطبيعة الجديدة.

الكلمة المترجمة: "صلاح" وردت أيضاً في رومية15: 14وغلاطية5: 22،2تسالونيكي1: 11، وهي في معناها الأصلي مضادة لكل رزيلة، كأنها الفضيلة مجسّمة. ف"الصالح" بهذا المعنى هو"الفاضل" حقاً وفعلاً، لا لقباً وقولاً.ويعتقد يوحنا الذهبي الفم أنها مضادة للغضب. لكنها أوسع من ذلك وأعم.

ولا يبرح ذهننا أن الرسول، في كلامه عن ثمر الحياة الجديدة، استعمل كلمة المفرد: "ثمر" لا الجمع: "ثمار"، لأن الحياة الروحية وحدة كاملة لا تتجزأ، فمن الواجب أن يظهر ثمرها في كل مناحي الحياة، من غير إفراط ولا تفريط في إحدى نواحيها (غلاطية5: 22و23).

والكلمة المترجمة: "بر" وردت أيضاً في 4: 24وتيطس2: 12- وهي تعني المحافظة على حقوق الآخرين، كعنصر لازم لحفظ الشريعة الإلهية.

والكلمة المترجمة: "حق" تعني الجوهر الحقيقي المضاد لكل مظهر خادع والمنافي لكل صفة زائفة، وادعاء باطل.

يميل الدكتور ديفدسمث إلى تفسير هذا العدد على هذه الصورة: "لأن ثمر النور ينمو في تربة الصلاح والبروالحق". والفرق بين قوله وبين ما ذهبنا إليه، ليس ببعيد.

اختبار مرضاة الله

عدد10:

10مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ.

-ج- الباعث على السلوك في النور- اختبار مرضاة الله: "ومختبرين ما هو مرضي عند الرب".

إن كلام الرسول في هذا العدد متمم لقوله في العدد الثامن، على اعتبار أن العدد التاسع جملة تفسيرية. على هذا الاعتبار، يتمشى سياق الكلام على هذا النمط: " اسلكوا في النور...مختبرين ما هو مرضي عند الرب". فبعد أن يسمع المرء كلام الرسول القائل: "اسلكوا كأولاد نور" يقف متسائلاً: "ولكن ما هو المحك الذي به نميز بين النور والظلام؟ فيأتيه الجواب من ثنايا هذا العدد العاشر: "مختبرين ما هو عند الرب". فمرضاة الله هي "حجر المحك" الذي به نميز النور من الظلام. وليس بغريب أن تكون هذه الإرادة القدسية "حجر محك" وهي التي نقشت أولاً باصبع الله على لوحين من "حجر"!!. ثم أعلنت لنا بصورة ملموسة في المسيح المتجسد الذي قيل فيه : "هاأنذا أؤسس في صهيون حجراً- حجر امتحان" (إشعياء 28: 16).

 

وقد وردت الكلمة عينها : "مختبرين" في رومية(1:28) فترجمت "استحسنوا" ،وفي رومية ( 12: 2) وفي عبارة موازية لهذه "لتخبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة".

وربّ سائل: ولكن كيف نميز بين ما هو مرضي عند الرب وما هو غير مرضيّ ؟

الجواب في العدد الثامن : "اسلكوا في النور... فتختبروا ما هو مرضي عند الرب" فكأن السلوك في النور، واختبار مرضاة الله، يتبادلان التأثير والتأثر ، والفاعلية والمفعولة . فإرادة الله تميز النور من الظلام، والسلوك في النور يميز بين ما هو مرضي لدى الرب، وما هو غير مرضي.

فعلينا أن نحرص، في سلوكنا، على اختيار السبيل الذي يجلب علينا رضي الله. هذا هو الرضي الذي يميزه ويتذوقه الضمير المستنير المتجدد . فهو ابتسامة الله يرسلها إلى المؤمن فتخترق حجب الظلام وتنزل على نفسه الواهنة، كقطر الندى الذي ينعش الزهور الذابلة، أو كأشعة الشمس المرسلة على أكمام الأزهار المتفتحة، فتحييّها وتنعشها وتحييها: "نعماً أيها العبد الصالح والأمين".

إن كل خطوة في الحياة الروحية العملية تطلب عناية خاصة وتدقيقاً فائقاً، إذ لا يمكننا أن نخلي أنفسنا من مسؤولية الدينونة على كل فعل نأتيه. فمن الواجب أن نستخدم ما وهبنا الله من ذوق روحي لنختبر ما هو مرضي عند الرب، موقنين أن حكم"الرب" يسوع هو حكم الله نفسه.

وقد وردت كلمة "مرضي" في العهد الجديد وصفاً للأشخاص العاقلين في 2كو5: 9ورومية14: 18وتيطس2: 9"ونعتاً للأشياء" غير العاقلة في فيلبي4: 18ورومية12: 2.1وكولوسي3: 20وعبرانيين13: 21.

أبناء النور وأعمال الظلمة

 (5: 13-11)

-ا- الموقف: "ولا تشتركوا في أعمال الظلمة...بل وبخوها" (5: 11):

11وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا

هذا موقف ذو جانبين: أحدهما-سلبي: "لاتشتركوا..."

والثاني-إيجابي: "بل...وبخوها"

الجانب السلبي: "لا تشتركوا...". تنطوي هذه العبارة على حقيقتين:

الحقيقة الأولى: ماهية موقفنا: "لا تشتركوا...ط. وردت هذه الكلمة في فيلبي4: 14ورؤيا18: 4وأفسس5: 3- وهي تعني الصلة الشخصية الخفية أكثر منها الصلة الخارجية الظاهرة لدى العيون. فكثيرون يشتركون في الجوهر لكنهم يتهربون من المظهر. كثيرون يشتركون في المؤامرة ويختفون وقت المظاهرة. لكنها شركة على كل حال، والمتآمر شرّ من المنفّذ.

هين علينا أن لا نشترك في أعمال الظلمة غير المثمرة، متى ذكرنا أننا صرنا شركاء المسيح الذي قد اشترك وإيانا" في اللحم والدم" (عب2: 14)

الحقيقة الثانية: ماهية الأشياء التي نقف منها هذا الموقف: "أعمال الظلمة غير المثمرة" في رسالة معاصرة لهذه، تكلم الرسول عن"أعمال الجسد وثمر الروح" (غلاطية5: 19-24). وفي هذه الرسالة تكلم عن"ثمر النور وأعمال الظلمة" (أفسس5: 9-11). والمستفاد من هذين الفصلين مجتمعين معاً أن الروح والنور لهما ثمر، لكن الجسد والظلمة لهما أعمال، لأن الروح حي وكذلك النور، ولا بد للحي من ثمر. لكن الجسد ميت، أو هو حي في عالم الموت- وكذلك الظلمة- والميت عديم الثمر. نعم أن للجسد والظلمة أعمالاً، لكنها أعمال غير مثمرة. وأن لهما آمالاً لكنها خلابة كالسراب. فهي كشجرة مورقة لكنها بغير ثمر. وكسحب خريفية، بغير مطر. فمع أن لأعمال الظلمة عواقب خطيرة، بل أخطر العواقب، إلا أنها أعمال غير مثمرة، لأنها تعد الشرير بالخيرات الكثيرة، وفي النهاية لا يحصد سوى الريح! فعخان نال الرداء الشنعاري، لكنه نال معه قبراً، فلم يتمتع بالرداء. لأن ظلمة القبر صيرته له كفناً، لا رداء. فأعمال الظلمة إذاً غير مثمرة في عرف الإصلاح والبناء، لأنها شريرة هادمة. لا حساب لها في سجل أعمال الصلاح الخالدة، لأنها ضارة لا نفع فيها.

الجانب الإيجابي: "بل بالحري وبخوها". ليس واجب المسيحي مقصوراً على نيل النور والتمتع به، بل عليه أن ينشر النور، لكونه هو نوراً لأن النور من طبعه أن ينتشر، فلا يكفيه أن لا يشترك في الشر، بل عليه أن يوبخه، بأن يكشف القناع عنه، فيبرزه في حقيقته، مجرداً إياه عن ثوب الرياء، ورداء الادعاء. لا بروح التشفي والانتقام، بل بروح الإصلاح، لأن التستر على الجريمة، هو اشتراك في الجريمة عينها. (متى18: 15ويوحنا3: 20و16: 1.8وكورنثوس14: 24).

عدد12:

12لأَنَّ الأُمُورَ الْحَادِثَةَ مِنْهُمْ سِرّاً ذِكْرُهَا أَيْضاً قَبِيحٌ.

-ب- الباعث على هذا الموقف: "لأن الأمور الحادثة منهم سراً ذكرها أيضاً قبيح". هذا تحوًط ضد الاسترسال في وصف خطايا الآخرين، والتمادي في تعقبها، والتعقب عليها. لأن الإفراط في هذا الباب يوقعنا في خطية التلذذ بذكر هذه الخطايا، التي يعتبر ذكرها أيضاً قبيحاً، فلا داع لذكرها ولو بأسمائها.

ومتى ذكرنا أن الأربعة الأعداد (8-11) جمل تفسيرية، وأن كلام الرسول في عدد12 مكمل لكلامه في عدد7، تحقق لدينا"إن الأمور الحادثة منهم سراً" هي نفس تلك "الأمور التي بسببها يأتي غضب الله على أبناء المعصية".

عدد13:

13وَلَكِنَّ الْكُلَّ إِذَا تَوَبَّخَ يُظْهَرُ بِالنُّورِ. لأَنَّ كُلَّ مَا أُظْهِرَ فَهُوَ نُورٌ.

-ج- تأثير النور على الظلام: "الكل إذا توبخ يظهر بالنور. لأن كل ما أظهر فهو نور". إن للنور تأثيراً مثلثاً على الظلام:

(1) النور طارد للظلام. فمتى انكشف الظلام من مخابئه أمام أشعة النور، طار أمامه وتلاشى. وكذلك فمتى أظهرت تلك الأمور الحادثة منهم سراً، وأخرجت من "أوجرتها"، ولّت الأدبار أمام قوة الصلاح، كما يولي الظلام مدبراً أمام النور.

(2) النور مشجع للنور الضئيل الذي يتخلله الظلام: فهو يحقّ الحق ويرهق الباطل. وغير خاف أن رذائل كثيرة كانت فضائل فمسخت بالإفراط أو التفريط. فالكبرياء هي عزة نفس زادت عن حدها. والشئ متى زاد عن حده انقلب إلى ضده. والبخل هو اقتصاد مسخ شحاً. والنذير كرم أفرط فيه. والمحبة النجسة محبة مشروعة تعدت حدودها، وتجاوزت حقوقها. فمتى سلط النور على الأعمال المشتبه في أمرها، فحصها ومحصها وحللها إلى عناصرها، وأظهر منها ما هو صالح للبقاء في حضرة النور، وطرد منها كل ما هو شرير فالشر يطير، والخير يظهر"وكل ما أظهر فهو نور" (يوحنا3: 20).

(3) النور يحوّل الظلام إلى نور. هذا ما تفعله الشمس بأشعتها النورانية الشافية. ولطالما تحدث راسكن وغيره من رجال الفن عن هذه الأشعة المجيدة وعن فعلها الممتاز في تحويل فضلات الأرض، ونفاية المستنقعات إلى معجزات في عالم الفن والجمال والإبداع. وما أكبر دين البحر الميت لهذه الأشعة السحرية، التي حولت فقره المدقع إلى غنى جزيل، وخلقت من مخلفاته الآسنة، عقاقير للشفاء هذا معنى كلمة"أظهر"-أي"تجلى"و"استنار". فكل من يستنير لا يلبث أن ينير. وكل من يستضئ لا بد أن يضئ.

النور قوة مظهرة لأنه قوة مطهرة، فلا يجسر على البقاء أمامه، إلا ما كان مثله نوراً.

عدد14 :

14لِذَلِكَ يَقُولُ: «اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ».

معدن النور الذي يجابه الظلام- نور المسيح: "لذلك يقول...". تكلم الرسول في الأعداد السابقة عن تأثير النور على الظلام، فكان من الطبيعي أن يدلنا على معدن هذا النور، إن معدنه هو المسيح، بدليل القول: "استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضئ لك المسيح".[1]

ولكن من هو هذا "القائل"؟ يعتقد بعض المفسرين- سيما المعاصرين- أن هذا الاقتباس شطر من ترنيمة كانت معروفة بين المسيحيين الأولين، يرنمونها وقت العماد، وهي مجانسة لقول الرسول نفسه في 1تيمو 3: 16. ولعلها نظم لقول المسيح الوارد في يوحنا 5: 25. ويقول أصحاب هذا الرأي إن ما ذكره الرسول عن "الترانيم الروحية" في الأعداد التالية يؤيد ما ذهبوا إليه" أن هذا الاقتباس شطر من ترنيمة ويعتقد توما الأكويني أن الرسول اقتبس ذلك النداء البليغ من أشعياء60: 1"قومي استنيري لأنه قد جاء نورك". ويقول ايرونيموس إن بولس فاه بهذا النداء بوحي من الروح مباشرة. ف"القائل" هنا هو الروح القدس الناطق بالأنبياء.

ويظن الدكتور كاي أن لآلئ هذا الاقتباس ليست مأخوذة من مصدر واحد في الكتاب، بل من مصادر كثيرة: أشعياء60: 1وأشعياء51: 17 وأشعياء51: 2.1.

كان الغير المؤمنين في أفسس، سالكين في عالم الموت الروحي- وكله ظلام في ظلام. لكن الفادي أشرق عليهم بروحه الأقدس ليهبهم حياة ونوراً، فما عليهم إلا أن يستيقظوا من نوم الموت ليتمتعوا بالحياة ويستقبلوا النور، عندئذ يستنيرون وينيرون.

أما الرب المتنبئ عنه أشعياء في قوله: "مجد الرب"، فهو المسيح الذي نسب إليه الرسول هذه القوة الحية المحيية. هذا هو المسيح الذي رآه أشعياء في رؤياه التاريخية ( إشعياء6: 1، ويوحنا 22: 41).

ويقول ايدرشيم إن الرسول يشير هنا إلى نداء للتوبة كان اليهود يذيعونه بالأبواق في عيد المظال. ولكن هذا لا يخالف الرأي القائل أن النداء مشتقّ أصلاً من نبوات إشعياء.


2-ويقول تشندروف إنه قرأ عبارة في كنايات يوحنا الدمشقي مؤداها: "لقد تسلمنا من السلف الصالح هذا النداء الذي يذيعه بوق رئيس الملائكة لأولئك الذين رقدوا منذ بدء الخليقة إلى الآن". ويحدثنا مصدر آخر عن ليرونيموس أنه سمع مرة واعظاً يتكلم عن هذه الآية في الكنيسة، وإذا أراد أن يبهت سامعيه بحال طريف، قال إن هذا الاقتباس وجه أولاً كخطب إلى آدم الذي دفن في الجلحنة- حسبما تخيل هو!- ولذلك سمى ذلك المكان"جمجمة" نسبة إلى جمجمة الإنسان الأول الذي دفن فيه. ولما دقت الساعة ورفع المسيح على الصليب، فوق تلك البقعة عينها، عندئذ أطلق هذا النداء: "استيقظ يا آدم- يا أيها النائم- وقم من الأموات فيضئ لك المسيح"- وفي قراءة أخرى: "فيلمسك المسيح"- بدمه المنسكب فوق الجلجثة!!.

السلوك بحكمة لا بجهالة

 (15:5- 21)

في تلك البيئة الأسوية الوثنية ، التي عاش فيها أهل أفسس، كلن من الصعب جداً على المسيحيين أن يعيشوا عيشة نقية صالحة. لكن لم يكن هذا من المستحيل فالصعب شيئ والمستحيل شيئ آخر. بل الصعب يصير ممكناً متى تسلح الإنسان بنيّة التدقيق والحذر. عدد15 :

15فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ،

(1) حكمة التدقيق لا جهالة التفريط: " فانظروا كيف تسلكون..." في هذه الرسالة، فالمسيحي المستنير هو الرجل المفتوح العينين : "انظروا..." وهو الرجل المفتوح القلب: "لا كجهلاء بل كحكماء". فالحكيم يسلك بحذر كي يتقي الخطر ، ولكن الجاهل يغمض عينيه عن كل النتائج فلا ينتبه إلا بعد وقوعه في مخالب الشر والحكيم الحقيقي لا يتخذ الحذر من الخطايا الكبرى وحدها ، بل يوجه همه نحو اتقاء شر الخطايا الصغرى. فالثعالب التي تفسد الكروم، هي الثعالب الصغرى. فضلاً عن ذلك، فان الخطايا الكبرى ظاهرة ، فيسهل على المرء أن يتقيها، لكن الخطايا الصغرى تتخفى بكل سهولة ، وتستتر وراء أعمال صالحة- هنا موطن الضرر.

إن قوله: "تسلكون بالتدقيق" يصور لنا إنساناً سائراً في بقعة منبثة فيها الأسلاك الشائكة ، أو ربَان سفينة عليه أن يقود سفينته بين الصخور والألغام ، فيتحتم على كل منهما أن يتسلح بنية الحذر، ليس فقط عند مناطق الخطر بل عند المناطق التي يظن فيها أنه في مأمن من كل خطر. فقد يقع الحكيم في خطية الغضب، وقد يسقط القديس في خطية النجاسة، وقد يجد الوديع نفسه "متلبساً" بخطية الكبرياء. فعلى كل من هو قائم بيننا، أن ينظر إلى نفسه لئلا يسقط هو أيضاً. ولعل قوله: " لا كجهلاء بل كحكماء" مأخوذ عن مثل العذارى الحكيمات اللواتي انتهزن الفرصة في حينها، بخلاف العذارى الجاهلات اللواتي ضاعت عليهن الفرصة ، فضاعت معها الحياة. ورب فرصة هي فرصة الحياة بأسرها!

عدد 16 :

16مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ

(2) حكمة افتداء الوقت لا جهالة إضاعة الفرص (5: 16)

نبهنا الرسول في هذا العدد إلى أمرين:

أولهما: واجبنا كحكماء- اغتنام الفرص: " مفتدين الوقت"- هذا تعبير مستعار من لغة التجارة، ويجوز أن يترجم إلى: " تكتسبون وقتاً". وهي تنطوي على معنى اقتناص الفرص

من يد عدو الخير. وفي هذا إشارة ضمنية إلى التضحية والحذر في سبيل كسب الوقت . لأن من أراد كسب شيء ما، فلا بد له من أن يخسر في غيره. ولن يتاح للإنسان أن يكسب الوقت إلا متى سلك بحذر وتدقيق، حتى يستطيع أن يفتدي الأيام الشريرة من قبضة الظلام ليجعلها خادمة للخير و النور، وأن يستخدمها خير استخدام.

ثانيهما: الباعث: عسر الأيام: "لأن الأيام شريرة": إن كلمة شريرة يجوز أن تترجم إلى: "عسيرة". هذا مما يجعل فرص الكسب نادرة جداً، لأن سوق الفضيلة في كساد، وسوق الرذيلة في رواج، والعلم كله قد وضع في الشرير، و الخطية ملازمة لهذه الأيام. وعدو الخير يريد اقتناص كل فرصة لمصلحته، فلا يرى باباً للخير مفتوحاً إلا ويسعى في إغلاقه . وإذا كان هذا مبلغ نشاط عدو الخير، فكم بالأولى يكون نشاط رجال الخير .

 

غير أن قول الرسول: " الأيام شريرة" وإن انطبق بنوع خاص على عصر خاص-عصر كتابة الرسالة- فانه ينطبق بمعنى أعم على كل عصر و مصر .

من بين نصائح الناز نيازى المأثورة: " إنه لمن أخطر الأمور أن نهمل أمراً ثم نحاول بعد ذلك أن نساوم الأيام كي تسترده".

عدد17:

17مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لاَ تَكُونُوا أَغْبِيَاءَ بَلْ فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ.

(3) حكمة الفهم لا غباوة عدم التمييز: " من أجل ذلك لا تكونوا أغبياء بل فاهمين ما هي مشيئة الرب".

إن الحكماء المستنيرين بنور الله، يميزون علامات الأزمنة،ويذوقون كل ما هو مرضي لدى الرب، فيسهل عليهم أن يفهموا ما هي مشيئة الرب، أما الأغبياء، فان الأيام تتسرب من بين أيديهم كما يتسرب الماء من بين أيدي التماثيل الرخامية، وهي لا تحس ولا تشعر.

وغير خافٍ أن كلام الرسول عن"الأيام الشريرة" ينصبُّ بنوع خاص على "الأزمنة الصعبة" التي تتجمع فيها كل قوات الشر ، وتتركز في "كتيبة" واحدة لمهاجمة تدبير الله الحكيم الخير( 1 يوحنا2: 18 ومرقس13) فالحكماؤهم الذين يميزون إرادة الرب في الأيام العسيرة. فلتكن إذاً أعصابنا متنبهة . وعيوننا مفتوحة، ورؤوسنا مرفوعة، ووجوهنا ممتدة إلى قدام- كما لو كنا واقفين على أطارف الأقدام، لنميز كل علامة يلوح في الجو الروحي عن إرادة الرب في كل صغيرة وكبيرة، سيما عندما تتشعب المسالك وتتعقد المشكلات، وتسد نوافذ الرجاء. عندئذ يحلو لنا الانتظار بسكون طالبين أن يعلن الرب مشيئته.

عدد 18:

18وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ،

(4) حكمة الامتلاء بالروح لا جهالة سكر الخلاعة إن عسر الأيام قد يقود الجهلاء إلى أن"يغرقوا" همومهم في كؤوس الخمر، فينسوا متاعبهم ولو إلى حين. لكن هذه ليست وسيلة الحكماء في التغلب على متاعب الأيام الشريرة.

 

غالباً هذه هي إحدى العادات التي لاحظها بولس على أهل تلك المقاطعة مدة إقامته بين ظهرانيهم- عادة السكر الذميمة، التي كنوا يتوسلون بها إلى رفع أنفسهم فوق مستوى ظروفهم الصعبة. وفي الوقت نفسه كانت الديانات القديمة تعلق أهمية كبرى على الحركات الانفعالية"والدروشة" المعبرة عن " انجذاب" النفس. ولقد كانوا يستعينون على هذه الانفعالات"بروح الخمر" الذي فيه الخلاعة. هذه طريقة شيطانية لإغراق الهموم، وللبلوغ إلى العالم" الروحاني". لكن الرسول أرانا"طريقاً أفضل في الامتلاء بالروح القدس . هذا هو الروح الذي إذا امتلأ به المؤمنون يوم الخمسين، رآهم العالم الخارجي كأنهم"سكارى". وشتان بين طريقهم و طريقه!!

إن روح الخمر نجسة ومنجّسة، لكن الروح القدس، قدوس ومقدّس .إن روح الخمر مخربة هادمة، كما يدلنا المعنى الحرفي لكلمة "خلاعة" فهي تعني الخرب الذي لا يعمر. لكن الروح القدس محيي، ومجدد، وبان روح الخمر ترفع السكير لحظة، لتخفضه بعد حين إلى أسفل السافلين لكن الروح القدس يرفع المؤمن إلى أعلى عليين، إلى أبد الآبدين خلاعة روح الخمر غاية، لكن الامتلاء بالروح وسيلة لتمجيد الله. "لا تسكروا بالخمر... بل ...امتلئوا بالروح". هذان: نهي وأمر، تفصل بينهما كلمة"بل". فهما متماثلان في القوة والسلطان. فإذا كان السكر بالخمر خطيّة، فإن عدم الامتلاء بالروح ، خطيّة أيضاً. الأولى خطيّة غير المؤمن، والثانية خطيّة المؤمن، فكل مؤمن لا يمتلئ بالروح، يعتبر ببكوريته.

إن حرف الباء المتصل بكلمة"بالروح" يجوز أن يترجم إلى: "في الروح" فالروح هو الجو الذي فيه نحيا، وفيه نمتلئ، وفيه نخدم، فكما يوضع الإناء في الماء ليمتلئ، كذلك نكون نحن في الروح لنمتلئ. على أنه الامتلاء إلا بعد تفريغ، ولا امتلاء إلا بقدر التفريغ. فعلى قدر ما نفرغ من أنفسنا، وشرورنا، وبرّنا الذاتي، والأشياء المحبوبة لدينا، بهذا القدر عينه نمتلئ بالروح ولن يتاح لنا أن نمتلئ بالروح تماماً إلا بالطاعة الكاملة والإيمان الوطيد

جو الحياة الممتلئة بالروح

 (5: 21-19)

"مكلمين"..."شاكرين"..."خاضعين".

 

في كلمات ثلاث عبر الرسول عن الجو الذي يجب أن يسود حياة الامتلاء بالروح

-ا- الفرح المتبادل: "مكلمين..." –ب- الشكر المسيحي: "شاكرين..." –ج- الخضوع المتبادل: "خاضعين".

عدد19:

19مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ.

-ا- الفرح المتبادل: "مكلمين بعضكم بعضاً بمزامير....". إن الشعور الحي الراقي يرحب بكل فرصة شريفة ليعبّر بها عن وجوده وحقيقته. وإلا قضى عليه في مهده. ومن المهم أن نذكر أن روح الانقباض والعبوس ليس روح المسيح، بل روح العالم. لكن روح المسيح هو روح الانشراح، لأنه روح الظفر- والظافر فرح. ألم يقل بولس في رسالة معاصرة لهذه: "إن ثمر الروح..فرح؟" (غلاطية5: 22).

شعر لوثير مرة بأن الشيطان يهاجمه بشدة، ففتح نافذة غرفته، وحدّق ببصره نحو السماء المتألقة بالنجوم من فوق، ثم التفت إلى الأحراش الكثيفة المظلمة من حوله، وأخيراً اتجه بقلبه وببصره إلى الله قائلاً: "يا إلهي! إني أرى السموات ثابتة وهي ليست ثابتة على أعمدة، لأنها قائمة بقوتك الضابطة الكل". ثم أغلق نافذة غرفته وترنم قائلا: "إن الشيطان متجهّم الوجه لأنه يكره الموسيقى التي يحبها الله. لأن الموسيقى نور، والشيطان ظلام"

-ا- قيمة الفرح المتبادل: "مكلمين بعضكم بعضاً" إن أيام الابتهاج المقدس هي أيام الظفر. فأسوار أريحا سقطت بعد هتاف الظفر. والعلامة المميزة لخيام الصديقين هي "صوت الترنم والهتاف". والنهضات السياسية القوية قامت على الأناشيد الوطنية الحماسية. والانتعاشات الفعالة، كانت تغذيها الترنيمات المنعشة الشجية. وميلاد المسيح كان مصحوباً بترنيم جند السماء. وأمنيته لكنيسته هي: "ليكون فرحي كاملاً فيهم".و"فرح الرب هو قوتنا". (أعمال2: 41و 46، 5: 41، 8:8، 9:30، 4: 41).

إن قوله : "مكلمين بعضكم بعضاً، ليس مقصوراً بالضرورة على اجتماعات المؤمنين للعبادة العامة، لكنه يتناول أيضاً اجتماعات المحبة والصفاء، التي كان يعقدها المؤمنون للسمر والإيناس ، لتمكين روابط المودة والإخاء بين بعضهم البعض، وهي التي حلت محل أعيادهم الوثنية التي كانوا يبدونها قبلاً، فطلب إليه الرسول أنهم متى اجتمعوا لهذه الأغراض الشريفة، فليبدأ أحدهم بمزمور ويجاوبه الآخر بتسبيحة، فيرد عليهما الثالث بترنيمة روحية، فترتفع أصواتهم العبرة عن عواطفهم المتبادلة ، في ذلك الجو الموسيقي البديع، وتتصاعد في الفضاء ، فتتجاوب معها أصوات تسبيحات أرواح الأبرار المكملين في السماء، وتبلغ محضر الله القدوس الساكن وسط تسبيحات القديسين!!.

-ب- أداة الفرح المتبادل: "بمزامير، وتسابيح، وأغاني روحية"

مزامير: هذه كلمة عبرية الأصل، من مصدر"زمر" وهي تعني الترتيل المصحوب بآلة موسيقية، كالمزمار وسائر الآلات الموسيقية – أمثال مزامير داود، وآساف، وسائر الترنيمات الموحى بها .

تسابيح: هذه تعني الترنيمة المرفوعة إلى الله حمداً وتسبيحاً وتمجيداً وهي قطعة مقتطفة من مزمور، أو منظومة من سائر أجزاء الموحى. والتسبيحة بنوع خاص موجهة إلى الله رأساً.

أغاني روحية: هذه أناشيد معبرة عن قوة الإحساس الروحي الذي يملك على الإنسان مشاعره، عند امتلائه بالروح القدس، فيتدفق منه الكلام كما يتدفق الماء من النبع الفياض. وهي ليست بالضرورة وحياً.

"مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب"- هذه العبارة تصف طريقة التعبير عن الأغاني الروحية. فالمزامير والتسابيح ترنّم عادة بصوت مسموع، أما الأغاني الروحية التي هي تعبير عن الإحساس الشخصي، فمن المستحسن أن يترنم بها الإنسان في قلبه بصوت غير مسموع إلا لنفسه ، وبعاطفة عميقة قلبية يقدرها الله وحده، لأن مآلها إلى الله وحده.

ويجوز أن نعتبر هذه العبارة: "مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب"، وصفاً لتعير الإنسان عن شعوره الروحي الخاص، متى كان في عزل عن العالم الخارجي، أو فيما إذا كان موجوداً مع قوم لا يلذ لهم أن يشاطروه هذا الإحساس، فليترنّم في قلبه. ويكفيه مشجعاً أن الرب يرى ويسمع. لأن مآل ترنيمه- سواء أكان سراً أم جهرا ً- ليس للناس بل للرب. فالترنيم ليس مجرد لذة روحيّة شخصيّة ،لكنه عبادة. وكما تكون الصلاة تارة جهريّة، وطوراً سريّة كذلك الترنيم: قد يكون تارة جهريّاً "مكلمين بعضكم بعضاً". وطوراً سريّاً: "مترنمين في قلوبكم للرب".

الشكر المسيحي

20شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِلَّهِ وَالآبِ.

"شاكرين كل حين" (عدد 20)

(1)قيمة الشكر: إذا كان الترنيم خير معبِّر عن الفرح الذي يغمر القلب المتجدد, فإن الشكر من أظهر الأدلة على أن الإنسان مؤمن حقاً. لأن "الكافر" هو الإنسان الذي يلقي ستاراً من الجحود على نعم الله عليه, والمؤمن هو المرء الواثق بإلهه. الذي ينسب إليه تعالى كل النعم والخيرات

الشكر موجود في دائرة الطبيعة. فالسحاب يأخذ مياهه من البحر عن طريق التبخر, ليروي بها القفر. لكنه يعبّر عن امتنانه للبحر, بكلمات شكر يرسلها إلى البحر في شكل قطرات المطر!

والشكر من مزايا النفوس الشريفة الراقية. فالأمم المتبدية لا تعرف معنى الشكر, لأن كلمة "شكر" غير موجودة في معجم آدابها, حتى جاءت المسيحية وأدخلت هذه الكلمة على لغة تلك الأمم, بفضل ذبيحة المسيح الكفارية التي أصبح البشر مدينين لها بحياتهم. هذا هو المعنى الأساسي الذي ترمز إليه فريضة العشاء الرباني المعروفة ب"الإفخارستيا" –أي خدمة "الشكر". والشكر طابع خاص امتازت به حياة المسيح وخدمته. فأمام قبر لعازر وقف المسيح شاكراً, ولعازر لم يزل بعد ميتاً في قبره. وقبيل رفعه على الصليب "أخذ الكأس وشكر". فإذا كان فادينا قد شكر على الموت, أفلا نشكر نحن على الحياة؟. وإذا كان قد شكر هو على كأس الآلام, أفلا نشكر نحن على كأس الخلاص؟!

(2)أوان الشكر: "كل حين". إن أوان الشكر هو أنه لا يعرف أواناً خاصاً, لأنه في كل أوان –"في وقت مناسب وغير مناسب". في السراء والضراء. نشكره في ظلمة الليل ولو كنا في السجن مع بولس وسيلا. ونحمده في نور النهار, ونحن نخدم في باحة العالم الفسيح الأرجاء.

(3)موضوع الشكر: "على كل شيء". من واجبنا أن نشكر الله على أشواك الحياة, كما نشكره على ورودها. أن نحمده على دموع اليأس, كما على ابتسام الرجاء, أن نمجده على أوراق الخريف الصفراء, كما على أوراق الربيع الخضراء. أن نعظمه على البرية القاحلة, كما على الروض النضير. أن نحمد اسمه على الصلبان التي يرفعنا عليها, كما على التيجان التي ترفعها رؤوسنا. لأن كل هذه الأشياء لنا, لا علينا: "فإن كل شيء لكم. أبولس أم أبلّوس أم صفا أم العالم أم الحياة أم الموت أم الأشياء الحاضرة أم المستقبلة؟ كل شيء لكم" (1كو 3: 22). وفوق الكل, لنشكره على عطية المسيح, التي لا يعبر عنها!

من واجبنا, لا بل من أفضل امتياز لنا, أن نشكر الله على كل شيء لأن ما يختاره لنا الله, خير مما نختاره نحن لأنفسنا. بل إن نقمة يختارها الله لنا –سبحانه لا يختار لنا النقمات- خير من نعمة نختارها نحن لأنفسنا. "وكم نعمة في نقمة طُويت فلم تفطن لها الأنام"

نشكره "على كل شيء", لأن أقل خير نناله منه, هو فوق استحقاقنا الطبيعي. لأننا لا نستحق منه إلا الموت, فأقل نصيب لنا في الحياة هو خير كسب. وهل من حق لمجرم مقضي عليه بالإعدام, أم يلوم ملكاً جاد عليه بالعفو, بحجة أن الملك لم يهبه مزرعةً واسعة ينعم فيها هو أولاده, بعد أن نجا من حكم الإعدام؟!

فلنشكره ما دام في عروقنا دم يجري, وفي قلوبنا نبض يدق, وفي أفواهنا لسان يستطيع أن يقول: "أشكرك أيها الآب"!

(4)وسيط الشكر: "في اسم ربنا يسوع المسيح". "الإسم" هو الذات. فالشكر في اسم المسيح, هو الشكر الذي نرفعه إلى الآب ونحن متحدون بالمسيح, وثابتون فيه, وهو الثابت فينا, "في اسم ربنا يسوع المسيح", بشر الرسل, و"في اسمه", صنعوا المعجزات, و"في اسمه" يجب أن نقدم الشكر للآب. وكل شيء نعمله "في اسم المسيح" إنما نعمله بسلطانه, وقوة شفاعته, وحق كفارته, لأننا "في المسيح" وحده نستطيع أن نتقدم إلى الآب في روح واحد عن يقين وثقة. فالمسيح هو ضامن عهدنا, وهو رأس "الجسد" الذي صرنا فيه أعضاء.

(5)المال النهائي للشكر: "لله والآب" –أي لله الذي أعلن لنا في المسيح, أنه أبونا السماوي. ولولا المسيح لغابت عنا هذه الحقيقة المجيدة, وحُرمنا هذا الحق الجليل. فهو وحده الذي علمنا بحياته, وموته, وقيامته, وصعوده, أن نقول "يا أبانا"!! بهذا وحده ينتفي الخوف, وتزول عنا رهبة العبيد, ونتوشح بدالة البنين الحقيقيين.

الخضوع المتبادل

21خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ.

"خاضعين..." (عدد 21)

 

يميل كثير من المفسرين إلى اعتبار هذا العدد مطلع استهلال للفصل الآتي. ولكننا نعتقد أنه حلقة اتصال بين الفصل السابق, والفصل اللاحق. ما أشبهه بشهر يناير –ذي الوجهين- الذي يودع العام القديم, ويستقبل العام الجديد! فالخضوع ليس مجرد واجب مفروض على المرأة نحو الرجل, لكنه شارة جميلة يتحلى بها جميع المؤمنين فيما بينهم.

حدثنا الرسول في هذا العدد عن حقيقتين:

(1)نوع الخضوع –"خاضعين بعضكم لبعض" فهو إذاً خضوع متبادل, هو خضوع الندّ للندّ, لا خضوع العبد للسيد. هو خضوع العضو للعضو في الجسد الواحد, لأن روحاً واحداً يتحدهما معاً, وناموساً واحداً يربطهما –هو ناموس المحبة- والمحبة الحقة لا تتنافى مع النظام.

قد يظن من يقرأ الأعداد السابقة التي تكلم فيها الرسول عن "المزامير والتسابيح والأغاني الروحية" أن حياة النهضة والانتعاش مناقضة للنظام والترتيب. لكن هذا خطأ كبير. لأن الحماس الروحي الحقيقي ليس خصماً للنظام, لكنه صديق له, فللكل أن يفرحوا. ولكن ضمن حدود اللياقة والترتيب. فالحرية الروحية مقترنة في كتابات بولس الرسول بالنظام الروحي وفي هذا الباب يجوز القول: "ما جمعه الله لا يفرقه إنسان" لأن إله الحرية هو إله النظام. ورسول الحرية هو رسول النظام. هذا ظاهر من كون الرسول قد استعمل كلمة: "اخضعوا" 23 مرة في رسائله. والنظام المطلوب هنا, هو نظام الخضوع المتبادل, إذ لا نظام بغير سلطان, ولا سلطان بغير خضوعٍ تام.

هذا نظام مستمد من طبيعة الواقع. لأننا أعضاء في جسد حي واحد. فمهما عظم شأن أحد الأعضاء في الجسد, وكانت سائر الأعضاء خاضعة له, فإن عليه هو أيضاً واجباً نحو سائر الأعضاء فالعظيم خاضع للحقير إلى حدٍّ ما. والكبير مدين للصغير على نوعٍ ما. فليخضع بعضنا لبعض. لأن هذا هو ناموس المحبة.

في الكنيسة الواحدة, تخضع الرعية للراعي, فتؤدي خضوعها في شكل ولاء. ويخضع الراعي للرعية, فيؤدي خضوعه في شكل وفاء.

(2)روح الخضوع: خضوع في خوف الله: "في خوف الله".

إن الروح الذي يجب أن يسود هذا الخضوع, ليس خوف العقاب, ولا هو ابتغاء الثواب, بل هو خوف الله أبينا (عدد 20). فالعضو يخضع للعضو الآخر, لأنه يخشى أن تمرّده يجرح قلب الله المحب, "الذي سامحنا في المسيح" (4: 32). فكأن خضوع المؤمن لأخيه المؤمن –وأرواح الأنبياء خاضعة للأنبياء- هو عنصر لازم لتعبدنا لله. فإن كنا لا نحب أخانا الذي نراه فكيف نحب الله الذي لا نراه, وإذا كنا لا نخضع لأخينا في الرب, فكيف نظهر ولاءنا للرب نفسه!!؟

إن خوف الرب يسوع المسيح الذي سوف نقف أمامه لنعطي حساباً يوم الدين, هو خير باعث على الخضوع لمن يستحق الخضوع –أو لا يستحق- لأننا إنما نقدم بهذا الواجب إكرامنا للمسيح.

المسيحي في البيت

 (5: 22 –6: 9)

ما أشبه حياة المؤمن بهيكل سليمان! في كل منهما دار خارجية, وقدس, وقدس أقداس. ففي الفصل الذي مرّ بنا (5: 1- 21), تكلم الرسول عن موقف المؤمن إزاء العالم الخارجيّ, فأرانا إياه في الدار الخارجية من حياته –واقفاً تجاه الظلام الخارجي, موقف النور من الظلام, موبخاً ومنيراً. وفي الفصل الآتي (5: 22- 6: 9), سنرى المؤمن في قدس حياته –في البيت. وفيما بعد (6: 10- 20), سيرينا إياه في قدس أقداس حياته –في جهاده الروحي. وأكبر مجاهدة هي مجاهدة النفس!

وها قد أرانا الرسول ثلاث دوائر متماسة ضمن دائرة البيت: في الدائرة الأولى نرى الرجل في جانب, والمرأة في جانب آخر (5: 22- 23). وفي الدائرة الثانية نشهد الرجل والمرأة في جانب, والأولاد في جانب آخر (6: 1- 4). وفي الدائرة الثالثة نلحظ الرجل والمرأة والأولاد في جانب, والعبيد في جانب آخر (6: 5- 9).

وليس بخافٍ أن الرسول استمد من خاتمة الفصل السابق مطلع استهلال للفصل الذي نحن بصدده. فلقد اتخذ من ذلك المبدأ الجليل –الخضوع المتبادل- نبراساً وضعه أمام المؤمنين في حياتهم العامة والخاصة فهو الخيط القرمزي –والقرمز رمز التضحية- الذي يربط المؤمن بأخيه المؤمن, والزوجة بالزوج. والأولاد بالوالدين, والعبيد برب البيت (5: 21و 22, 6: 1و 5) وجدير بالاعتبار, أن الرسول لم يتكلم في هذه الفصول الممتعة عن الحقوق بل عن الواجبات. وفي كل فصل منها, ابتدأ بالواجبات المطلوبة من الجانب الأضعف –النساء (5: 22), الأولاد (6: 1), العبيد (6: 5).

النساء والرجال

(5: 23- 33)

 

إن صلة الأزواج بالزوجات, رمز لصلة المسيح بالكنيسة. وهاتان الصلتان –إحداهما في الدائرة الاجتماعية الظاهرة, والثانية في الدائرة الروحية السرية- كانتا ماثلتين لدى ذهن الرسول وهو يكتب هذا الفصل, ومنهما نسج بُردته, متخذاً من إحداهما السّدى ومن الأخرى اللحمة!!

أولاً: واجب المرأة -الخضوع (5: 22- 24)

-أ-ماهية هذا الواجب (5: 22 (أ))

-ب-الباعث على هذا الواجب (5: 22 (ب))

-ج-أساس هذا الواجب (5: 23)

-د-دائرة هذا الواجب (5: 24)

ثانياً: واجب الرجل –المحبة (5: 25 - 27 )

-أ-قياس هذه المحبة (5: 25- 27)

-ب-أساس هذه المحبة (5: 28- 30)

-ج-شدة هذه المحبة (5: 30و 31)

كلمة مجملة: عن الصلة المتبادلة الكائنة بين المسيح والكنيسة (5: 32)

كلمة مجملة: عن الصلة المتبادلة الكائنة بين الرجل والمرأة (5: 33)

عدد 22

22أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ،

واجب المرأة والباعث عليه: "أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب". البيت هو ميزان الحرارة, الذي به تُقاس درجة تدين الإنسان. فكم من رجل يكون حملاً وديعاً في الخارج, ووحشاً مفترساً في البيت. فديانة هذا باطلة وقد يكون البيت أقدس هيكل على الأرض بعد هيكل العبادة, وقد يكون أنجس بقاع الأرض, وأنجس من السجون!!

يقول يوحنا بنيان إنه رأى على مقربة من باب السماء باباً صغيراً يؤدي إلى الهاوية –ولعله باب البيت الذي يكون وكراً لأهل الرياء والادعاء.

غير أنه من المسلم به لدى رجال الدين والاجتماع, أن محور البيت الحقيقي هو المرأة. فهي بلطفها وخضوعها, تستطيع أن تخلق منه خير نعيم, وهي بشدتها وعنادها تستطيع أن تخلق منه شر جحيم!!

واجب المرأة نحو الرجل –ماهية هذا الواجب والباعث عليه:

-أ-ماهية هذا الواجب: "اخضعن". من الخضوع المتبادل المذكور في العدد السابق, انتقل الرسول إلى الكلام عن خضوع المرأة للرجل. وهو ليس خضوع العبد للسيد –ولو أن المرأة الفاضلة تقتدي بسارة فتدعو بعلها سيدها- لكنه خضوع الألفة, والمودّة, والمحبة. ما أشبهه بخضوع العود الرطب للنسيم, فيتمايل معه في اتجاه واحد, بخلاف العود اليابس, الذي يقف في وجه الرياح فيتحطم.

-ب-الباعث عليه: "كما للرب". ليس المراد بهذه العبارة أن تقدم المرأة للرجل نفس الخضوع المطلوب منها للرب, بل أن تخضع للرجل معتبرة أن هذا واجب يمليه عليها خضوعها للرب, سيما في الحالات التي يكون فيها الرجل غير أهل لهذا الخضوع, فتعتبر خضوعها لبعلها عنصراً مكملاً لولائها وطاعتها للرب. وإذا كان أعداء الإنجيل يضطهدون أبناء العليّ ويقتلونهم ظانين أنهم يقدّمون خدمةً لله (يوحنا 16: 1), فكم بالحري يجب على السيدة المؤمنة أن تخضع لزوجها, وهي موقنة أنها بخضوعها هذا تقدم خدمة للرب!!

على أن هذه العبارة: "كما للرب" وإن كانت تفرض على المرأة أن تطيع رجلها, إلا أنها تقيم حدود هذه الطاعة وتنظمها –أن تكون ضمن حدود وصايا الرب ومخافته. فليست المرأة المؤمنة مكلفة بأن تطيع بعلها في أمر يخالف إرادة الرب مخالفة صريحة. إذ يحق لها في هذه الحال أن تتسلح بهذه النية المقدسة "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس" (أعمال 5: 29).

عدد 23 :

 

23لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ.

أساس هذا الخضوع:"لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح هو رأس الكنيسة وهو مخلص الجسد". في رسالة سابقة, أوضح الرسول هذا الباعث بكلمات مماثلة لهذه: "ولكن أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح, وأما رأس المرأة فهو الرجل" (1كو 11: 3). في تلك الرسالة عرَّفنا الرسول أن السلطان الذي للرجل على المرأة, يترتب عليه خضوع من جانب الرجل للمسيح. ولكنه أرانا في هذه الرسالة أن المسيح هو رأس الكنيسة, لا باعتبار كونه متسلطاً عليها وكفى, بل باعتبار كونه نبع حياتها, وضابط كيانها, حارساً لكل أعضائها. فمن الطبيعي أن يكون الجسد خاضعاً للرأس الذي منه تنحدر كل القوى وَتنبَثُّ في الجسد وتنتشر فيه. فهو إذاً خضوع طبيعي منطقي, لا قهري تعسفي.

كذلك خضوع المرأة للرجل, ليس "تقليداً" شرقياً تسربن عدواه في ذهن رسول شرقيّ, لكنه خضوع يوحي به الحق ويتطلبه المنطق, وينادي به الوحي المقدس الذي هبط على الرسول فأراق نوراً جديداً على هذه الرابطة الجليلة. بل هو خضوع يفرضه جمال أنوثة المرأة, وهو تاج الكمال الذي خلعته عليها العناية. وليس في الوجود أبغض على النفس من المرأة المتسلطة سوى رجل مطواع, الذي ينقاد لوحي المرأة انقياداً أعمى.

هذه حقيقة يقررها الكتاب رغم ما يقال في بعض الأوساط العربية عن ميول ومحاولات ترمي إلى إبدال كلمة: "تخضع" بكلمة: "تواسي" أو: "تعتني" "فإلى الشريعة وإلى الشهادة وإن لم يقولوا مثل هذا القول فليس لهم فجر". هذا هو الخضوع الذي كانت تدين به فكتوريا الملكة لبعلها البرنس ألبرت فكانت تعتبره رأساً لها في البيت, على رغم كونها هي رأسه في المجتمع.

إن مفاد قوله: "وهو مخلص الجسد", هو أن المسيح للكنيسة, كالرأس للجسد. ومن المسلم به, أن الرأس بما فيه من عقل مفكر, وعينين مبصرتين, وأذنين واعيتين, يحمي الجسد, ويقيه شر الصدمات, ويدبر ما يلزم لصيانته فيخلصه مما يصادفه من هجمات. فالطاعة المطلوبة من أعضاء الجسد نحو الرأس, إنما هي طاعة مستحقة على الجسد تلقاء عناية الرأس به واهتمامه بصالحه. فإذا كان الرأس يضحّي بالكثير في سبيل حفظ الجسد وتخليصه من المخاطر, فليس بكثير على الجسد أن يخضع للرأس. وإذا وجب على الرجل أن يحمي المرأة, حقَّ على المرأة أن تطيع الرجل.

غير أن "الخلاص" الذي يقوم به الرأس الطبيعي نحو الجسد الطبيعي, لا يوازي فتيلاً أمام الخلاص العظيم الذي أكمله المسيح للكنيسة –لأجلها عاش, ومات, وقام, ولأجلها يحيا الآن مخلصا وشفيعاً (أفسس 5: 25- 27)

عدد 24 :

24وَلَكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذَلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

منطقة خضوع المرأة للرجل:"في كل شيء".

الحياة الزوجية وحدة لا تتجزأ. فليس للمرأة أن تخضع للرجل في ما يروقها, وتعصاه في ما لا يروق. بل عليها أن تخضع له في جميع الأشياء –صغيرها وكبيرها. ولا يفوتنا أن نذكر: أن الكلمة الأصلية المترجمة "تخضع" تحمل ضمناً, معنىً من معاني التطّوع الاختياري, الذي توحي به المحبة, وتوصي به الألفة. لأن المرأة مرتبطة بالرجل برباط المحبة, الذي يجمع نظيرين متساويين في قرانٍ ميمون –والقران من مصدر قَرَن- ومنه القرين أي الند المساوي والمعادل. فإذاً حق على المرأة أن تعترف أنها بسبب ضعفها الطبيعي تعجز عن القيام ببعض الأعمال التي يقوم بها الرجل بفضل ما أوتي من قوة, فمن الواجب على الرجل أن يعترف من جانبه, بأنه عاجز عن القيام ببعض الأعمال التي تقوى عليها المرأة بفضل ما أوتيت هي من صبر ورقة وحنوّ. فإذا كانت العناية قد أهلت الرجل لأن يقطع الأحجار, التي يُبنى منها الهيكل المسيحي, بقوة ساعديه, فقد وضعت على المرأة أن تصقل هذه الأحجار وتجمّلها.

حدود منطقة خضوع المرأة:إن هذا ال"كل شيء" الذي تخضع فيه المرأة للرجل, محدودٌ بحكم صلة الرجل بالمرأة, فهو ليس ربها الأعلى, ولا هو سيدها الحاكم بأمره. فهي لم تُخلق من رجله لئلا يدوسها ولا من رأسه لئلا تسوده, بل من جنبه لتكون وإياه على قدم المساواة.

ويقيناً أن جل النزاع الذي يفسد السعادة البيتية, ينشأ عن اهتمام كل من الجنسين بما له من حقوق, لا بما عليه من واجبات. وفي هذا يحلو القول: "اعكس تصب"! فلو اهتم كل فريق بما عليه من واجبات, وبما للآخر من حقوق, لأصبحت الأرض نعيماً مقيماً!!

عدد 25 :

 

25أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضاً الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا،

واجب الرجل نحو المرأة:"كذلك يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم". إن الرابطة الكائنة بين الرجل والمرأة, قائمة على صلة متبادلة, فهي تفترض حقوقاً متبادلة, وواجبات متبادلة. فالخضوع من جانب المرأة, يجب أن تقابله المحبة من جانب الرجل. وفي هذا يقول يوحنا الذهبي الفم: "أرأيت أيها الرجل قياس الطاعة, فاسمع إذاً قياس المحبة؟!"

قياس هذا الواجب:"كما أحب المسيح الكنيسة أيضاً وأسلم نفسه لأجلها". أرأيتَ أن الرسول جعل المسيح نصب عينيه في كل موضوع يطرقه؟ فالمسيح في نظره هو النبع الفياض الذي منه تتدفق كل النوايا الشريفة, وهو الغرض الأسمى الذي يتوّج كل الغايات النبيلة, وهو القوة الحية المحيية التي تدفع كل العوامل السامية. وإذا كان الرسول قد وجد في المسيح الدائرة المركزية لكل نواحي الحياة, فإن النقطة المركزية في المسيح, هي محبته الكفارية الفدائية المضحية. هذه هي المحبة الجيدة الفائقة, التي ملكت على الرسول كل مشاعره, وسلبت لبه, فبينما نراه قاصداً بحرها الطامي ليستقي منه, قطرات تروي غليله في موضوع محبة الرجل لزوجته, إذا به قد نسي نفسه وسبح في بحرها الطامي, فطرح الموضوع الذي أمامه جانباً, وأفاض في وصف هذه المحبة في: (أ)قياسها (عدد 25). (ب)غايتها (عدد 26و 27)

-أ-قياس حب المسيح للكنيسة:"كما أحبَّ المسيح أيضاً الكنيسة...". يتضح من كلمة "كما" أن محبة المسيح للكنيسة هي:

(1)علة حب الزوج لزوجته: لأن الرابطة القائمة بين الزوج والزوجة مشتقة من الرابطة القائمة بين المسيح والكنيسة, ومستمدة كيانها منها.

(2)دستور حب الزوج لزوجته:ليس هو حباً جسدياً مؤسساً على صلة كائنة بين جسد وجسد, لكنه حب روحي مؤسس على رابطة قدسية قائمة بين روح وروح, "والروح بالروح تتلاقى", فالزواج الحقيقي هو تلك الجامعة الراقية التي ترتقي فيها نفس إلى نفس لتعانقها, ويسمو فيها قلب إلى قلب ليؤآخيه, فيكون الفؤاد للفؤاد مرآة أكثر صفاءً من الدرّ, وأغلى قيمة من الجوهر, وأبهى لمعاناً من ضياء البدر.

(3)قياس حب الزوج لزوجته: "أسلم نفسه لأجلها" –محبة حتى الموت. هذا قياس حب المسيح للكنيسة, وهو أيضاً قياس حب الزوج لزوجته. هذا قياس المحبة في عمقها, وعلوها, وقوتها –لا في طولها. فلا يكفي أن يحب الرجل امرأته حباً يمتد به إلى الموت, بل يجب عليه أن يحب امرأته حباً عالياً, عميقاً, قوياً, لدرجة فيها يسهل عليه أن يموت لأجلها. وهو أيضاً قياس للمحبة في طبيعتها –فهي محبة تنظر إلى ما هو لآخرين لا إلى ما هو لنفسها. فلا يفكر الزوج في ما ينتفع به من زوجته, بل في ما يقدر أن يقوم هو به من النفع والخير لها. ولا في الطاعة التي ينتظرها منها, بل في المحبة الواجبة عليه نحوها. هذا هو المثل الأعلى للمحبة التي "لا تطلب ما لنفسها" بل تجود بما عندها حتى تجود بنفسها "والجود بالنفس أسمى غاية الجود"

ولا يغرب عن أذهاننا, أن هذا الواجب يتناول صغائر الأمور في الحياة الزوجية كما يُلم أيضاً بكبائرها لأن الحياة كلها وحدة لا تتجزأ. فكم من رجل تراه مستعداً لأن يموت لأجل زوجته في ساعة الشدة, لكنه لا يرعى جانبها في صغائر الأمور, فينشأ بينهما خلاف تستحكم حلقاته. وجل الخلاف ينشأ عن تافه الأسباب!! فليس بكافٍ أن يكون الرجل مستعداً لأن يموت لأجل زوجته, بل عليه أن يكون على الدوام متهيئاً لأن يحيا لأجلها, وربما كان ثاني الأمرين أمرَّ من أولهما, لأن موته لأجلها يتطلب تضحية نفسه مرة واحدة, لكن حياته لأجلها, تستلزم تضحية مستمرة تتجدد كل يوم, وكل اليوم!!

ومهما يقل الرسول, إن حب المسيح للكنيسة هو قياس حب الزوج لزوجته, فلا يمكن بحال أن يسمو حب الزوج لزوجته إلى ذلك المستوى الراقي النقي الذي بلغه حب المسيح للكنيسة. فالزوج والزوجة شخصان متكافئان لأن الزواج الحق لا يقوم إلا بين نظيرين, ولكن أين التكافؤ بين المسيح والكنيسة, بل بين النور والظلام!![1]

ناهيك عن كون محبة الزوج لزوجته لا تحمل معها تضحية حقة, لأنها مهما سمت لا تخلو من عنصر حب الذات. لكن المسيح أحب الكنيسة وهو لا ينتظر منها صدى لمحبته. فكل الغرُم عليه, وكل الغنم لها.

عدد 26 :

26لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّراً إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ،

غاية حب المسيح للكنيسة: "لكي يقدسها..."

 

سبق الرسول فتكلم في موضوع آخر من هذه الرسالة عن محبة المسيح لنا, فقال: "كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا" (5: 2). هناك تكلم عن محبة المسيح لنا في جانبها الكفاري المقبول في نظر الله: "قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة" لكنه أرانا إياها هنا في جانبها الفدائي المتعلق بقصده الأسمى في كنيسته. وقد بان لنا هذا القصد في كلمتين رئيسيتين: إحداهما –مطلع العدد السادس والعشرين: "لكي يقدسها", والثانية –مطلع العدد السابع والعشرين: "لكي يحضرها"

الكلمة الأولى:"لكي يقدسها" لا جدال في أن المسيح أحب الكنيسة وهي خاطئة, لكنه لن يرضى لها أن تبقى في الخطية بعد أن أحبها, لأنه أحبها من الخطية. فمن المحتم أن ينتزعها من أوحال الخطية انتزاعاً.

"لكي يقدسها" –تنطوي هذه العبارة على معنيين –أحدهما خارجي –يرُاد به التكريس والتخصص لخدمته وذاته. وثانيهما داخلي يُقصد به التطهير والتنقية. المعنى الأول يوافق قول المسيح: "ولأجلهم أقدس أنا ذاتي" (يوحنا 17: 19). والمعنى الثاني يوافق قول الرسول: "لا تضلوا. لا زناة. ولا عبدة أوثان.... يرثون ملكوت الله. وهكذا كان أناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستّم بل تبررتم باسم الرب يسوع" (1كو 6: 19- 11).

تسلط الشمس أشعتها الذهبية النورانية على فضلات المستنقعات,فتخلق من أقذارها جواهر, وتحوَّل ترابها تبراً. هذا بعض ما تعمله محبة المسيح في الكنيسة التي أحبها واختارها من بين أقذار العالم, من المحتقر والمزدري والغير الموجود, فهي تخلق من النجسين "قديسين" (1: 1), وتجعل من المحتقرين "معتبرين" (غلاطية 2: 2), وتقيم من الغير الموجودين "ملوكاً" (رؤيا 1: 6).

أداة تقديسها: "مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة". هذه العبارة ترجع بأفكارها إلى ما جاء في حزقيال 16: 8و 9 "دخلت معك في عهد يقول السيد الرب فصرت لي. فحممتك بالماء. ومسحتك بالزيت", وفي حزقيال 36: 25 "وأرش عليكم ماءً طاهراً فتطهرون من كل نجاستكم ومن أصنامكم أطهركم". وهو يذكرنا أيضاً بكلام كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي" (عب 10: 22).

ولكن ماذا يقصد الرسول بقوله: "بغسل الماء بالكلمة؟ هل يشير إلى تطهير الكنيسة "بالكلمة المقدسة" الموحى بها في الكتاب؟ أم يرمي إلى طقس معين؟ يكاد جمهور المفسرين يجمعون على أن الإشارة هنا منصرفة إلى المعمودية. ف"غسل الماء" يشير إلى عملية العماد. و"الكلمة" هي الصيغة التي يفوه بها المعتمد وقت العماد, دليلاً على اعترافه العلني بتركه خطاياه وقبوله المسيح فادياً ومخلصاً وملكاً. أو هي "الكلمة" التي ينطق بها مُجري فريضة العماد -كقوله مثلاً: "أعمدك باسم الآب والابن والروح القدس". لعلها تشير إلى العبارتين معاً- أي ما يعبر به المعتمد عن إيمانه, وما يفوه به مجري العماد عند إتمام الفريضة.

ولعل أفضل ما قيل بهذا الصدد, ما جاء في تفسير هودج: "إن "الكلمة" هنا هي ذات الكلمة المقدسة الموحى بها, التي قال فيها بطرس الرسول: "مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية" (1بط 1: 23) إنَّ في هذا إشارة ضمنية إلى أن المعمودية في حد ذاتها لن تكفي لإيجاد اختبار روحي, ما لم تكن مصحوبة بالكلمة المقدسة. لأن السر في "الكلمة" لا في المعمودية: "الذي مثاله يخلصنا نحن الآن أي المعمودية. لا إزالة وسخ الجسد بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح" (1بط 3: 21). "شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه" (يعقوب 1: 18). وإن "غسل الماء" تعبير رمزي يشير إلى الميلاد الجديد". ويجمل بنا أن نقرر هنا:

(1)أن المعمودية في حدّ ذاتها لا تنطوي على تأثير خفي سحري.

(2)إن الروح القدس لا يرافقها بالضرورة, وفي كل مرة, بتأثيرات روحية خاصة.

(3)أنها ليست الوسيلة الوحيدة لتمتع الإنسان بالفداء. وإنما: (أ)هي رسم إلهي. (ب)هي أحد شروط قبول الخلاص, لأنها تتيح للمعتمد البالغ, فرصة يعلن فيها اعترافه الجهري بخطاياه, وقبوله المسيح مخلصاً وفادياً. (ج)فرصة يظهر فيها الوالدان استعدادهم لقبول التزامات علنية بشأن تربية صغارهم المعمّدين, في مخافة الرب وإنذاره, حتى يشبوا على الصلاح والتقوى.

ويعتقد بعضهم أن "غسل الماء" يشير إلى عملية خارجية. و"الكلمة" تشير إلى فعل داخلي. ويعتقد آخرون أن المسيح يقدس الكنيسة "بالكلمة" إذ طهرها بغسل الماء –أي أن الكلمة وسيلة التقديس.

عدد 27 :

27لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ.

تقديس الكنيسة وتمجيدها: "لكي يحضرها... "

 

لعل الكلام في العدد السابق منصرف إلى التبرير: إلى الجانب الخارجي الذي يقوم بفرز الكنيسة من العالم. وهذا العدد متعلق بالتقديس والتمجيد.

يتضمن هذا العدد وصفاً مزدوجاً للكنيسة:

أولاً: وصفاً مجملاً للكنيسة كما يعدّها المسيح لنفسه: "لكي يحضرها"

ثانياً: وصفاً تفصيلياً للوصف السابق المجمل- وهو ذو جانبين:

-أ-أحدهما سلبي: "لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك"

-ب-الثاني إيجابي: "بل تكون مقدسة وبلا عيب"

أولاً: الوصف العام المجمل: "لكي يحضرها لنفسه". تذكرنا هذه الكلمة بقول الرسول في رسالة سابقة: "فإني أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" (2كو 11: 2). والفرق بين كلام الرسول في تلك الرسالة, وكلامه هنا, هو أنه في تلك, تكلم عن نفسه باعتبار كونه أحد العوامل الثانوية في إعداد الكنيسة للمسيح. لكنه في هذه الرسالة أرانا أن المسيح هو الذي يقوم بإعداد الكنيسة بنفسه ولنفسه, أمام محضر السماء والأرضيين (أفسس 3: 10). فهو الرأس والرئيس في محفل العماد, وفي مجمع القديسين, وفي كل خدمة تعمل على إعداد الكنيسة لعريسها العظيم. والظاهر أن الرسول, كان واضعاً في ذهنه إحدى الحفلات اليهودية الشرقية التي تزف فيها العروس إلى عريسها.

ومع أن الكنيسة المجاهدة على الأرض, هي في نظر المسيح "مقدسة وبلا عيب" –لأن عين المحب تتغاضى عن عيوب الحبيب- كما قيل: "كلك جميلة يا حبيبتي ليس فيك عيب" (نشيد 4: 7), إلا أنها لن تبلغ هذه الدرجة الكاملة من القداسة, إلا متى ارتفعت إلى المجد (رؤيا 21: 2, 19: 7- 9).

الجانب السلبي: "لا دنس فيها ولا غضن". "الدنس" هو الفساد ومشتقاته. و"الغضن" هو تجعدات الشيب والهرم. وقوله: "أو أي شيء من مثل ذلك" يفيد خلو الكنيسة من كل عيب يشوّه جمالها. فخلوها من "الدنس" يشير إلى كمال طهرها. وخلوها من "الغضن" يفيد دوام شبابها وصباها. وخلوها من "أي شيء مثل ذلك" يدل على كمال جمالها. هذا مطابق لوصف الملاك الذي كان عند قبر الفادي يوم قيامته: "شاباً عن اليمين لابساً حلة بيضاء" (مرقس 16: 5). بل هذه الصورة التي ظهر بها المسيح على جبل التجلي, فكانت مثار إعجاب التلاميذ, وتعجبهم, وخوفهم لا بل هي الصورة التي سنكون عليها حينما نراه في مجيئه (1يو 1: 2).

"مقدسة وبلا عيب" –هذان الوصفان مطابقان للوصفين السلبيين الذين مرّا بنا. فالكلمة: "مقدسة" هي تعبير إيجابي معادل للعبارة: "بلا دنس". وقوله: "بلا عيب" موازٍ للعبارة: "لا غضن فيها أو أي شيء من مثل ذلك".

"بلا دنس... وبلا عيب" –هذان الوصفان أطلقا على المسيح نفسه "كما من حمل بلا عيب ولا دنس" (1بط 1: 19).

عدد 28 :

28كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ.

محبة الرجل للمرأة أمر طبيعي لأنهما واحد- هي محبة الرأس للجسد. يظهر لدى إلقاء لمحة عاجلة على هذه الآيات, أن الرسول رجع القهقرى في حججه, فتوّجها بحجة ضعيفة مبنية على حب الذات, سيما عند قوله: "من يحب امرأته يحب نفسه" (عدد 28).

ولكن لدى إمعان النظر, يتضح لنا جلياً, أن الرسول يتقدم بنا خطوة جديدة في حججه, مبيّناً أن الرجل والمرأة ليسا شخصين منفصلين, لكنهما إنسان واحد. لأنه وإن يكن الرجل رأس المرأة –كما أن المسيح رأس الكنيسة, إلا أن الرأس ليس منفصلاً عن الجسد, ولا هو بمستقل عنه, لكنه يكوّن مع سائر أعضاء الجسد, جسماً واحداً, فالحب المطلوب من الرجل لامرأته, ليس حباً متكلفاً, لكنه حب طبيعي. هو حب الرأس في الجسم الواحد لسائر أعضاء الجسد, أو بالحري هو حب الإنسان لنفسه.

على أنه لا يستفاد من هذا, أنه حب نفساني نفعي, لكنه حب طبيعي تطوعي, ينبعث من الإنسان بغير تكلف, مثلما ينبعث النور من قرص الشمس, من غير مجهود ولا عناء, أو كما ينبعث أريج الزهرة منها فيعطر الأرجاء.

عدد 29 :

29فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضاً لِلْكَنِيسَةِ.

 

معقولية هذا الواجب: "فإنه لم يبغض أحد جسده قط"

إن واجب الحب المطلوب من الرجل نحو امرأته ليس من الواجبات العسيرة, لكنه سهل هين. لأن العقل السليم يوصي به وطبيعة الحال توحي به, فما من رجل في كمال عقله يمزق جسده أو يسيء إليه, بل يقوته ويربيه "كما الرب أيضاً للكنيسة". إن هذه الوحدانية الكائنة بين الرجل والمرأة, مشتقة من الوحدانية الكائنة بين المسيح والكنيسة. وهذا الواجب الذي يقوم به الرجل نحو امرأته, إنما يتمتع به هو, باعتبار كونه أحد أعضاء كنيسة المسيح. فلا فضل إذاً للرجل في حبه لزوجته, لأنه ليس محسناً عليها بهذا الحب, ولا هو بمتفضل به عليها, كلا. فإنه في حبه لها إنما يحب نفسه, وهو بذلك ليس إلا موفياً لدين عليه نحو المسيح, لأنه سبق فتمتع بهذا الحب العجيب: "كما الرب أيضاً للكنيسة" فكما أن المسيح هو رأسه الأعلى, الذي أغدق عليه هذا الحب, كذلك عليه هو باعتبار كونه رأس المرأة, أن يوفي هذا الدين الذي عليه نحو المسيح.

فإذاً كل من يقصر في محبته لزوجته يُحسب مسيئاً إلى نفسه, ويحكم على ذاته بالخروج عن طور الإنسانية, لأنه يسيء إلى جسده إلا من أصيب بمسّ في عقله, أو من أقدم على تضحية فذَّة (لوقا 14: 26).

وفوق ذلك, فإن من يقصر في محبته لزوجته, يُحسب مقصراً في حق المسيح عليه, فهو الذي أحبه وافتداه. إذاً لا فضل لرجل في محبته لزوجته, إلا كفضل السحاب الذي يجود على الأرض بالمطر والمطر ليس منه, بل من البحر أو "كالبحر يمطره السحاب وما له* مَنّ عليه لأنه من مائه".

إن قوله: "أن يحبوا نساءهم كأجسادهم" معناه أن "يحبوا نساءهم باعتبار كونهن أجسادهم", لا أن يحبوهن كما يحبون أجسادهم.

عدد 30 :

30لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ.

متانة الوحدانية بين المسيح والكنيسة: "لأننا أعضاء"

تقديراً لمتانة الوحدانية الكائنة بين المسيح والكنيسة, اقتبس الرسول عبارة وردت أصلاً في سفر التكوين عن متانة الوحدانية الكائنة بين الرجل والمرأة: فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي" (تك 2: 23).

 

ويقول يوحنا الذهبي الفم, في تفسيرها: "كما أن حواء أُخذت جسدياً من آدم الأول, كذلك الكنيسة: أُخذت روحياً من آدم الثاني –المسيح"

ويقول كالف: كما أن حواء صُورَت من جوهر جسم آدم, كذلك صُورّت الكنيسة من جوهر جسم المسيح الذي "تشارك وإيانا في اللحم والدم"

ويقول هودج: "كما أن حواء استمدت كيانها من جسم آدم, كذلك نستمد نحن كياننا من جسد المسيح, وكما أن حواء صارت شريكة في حياة آدم, كذلك أصبحنا نحن شركاء في حياة المسيح".

وفي اعتقادنا أن الرأي الأخير يُلمّ بالمعنى إلماماً شاملاً, وهو أقربها إلى الصواب. سيما وأن كلمة "مِن" تفيد "الاشتقاق" التام!

عدد 31 :

31مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الِاثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً.

متانة الصلة التي بين الرجل وامرأته: "من أجل هذا"

بعد أن اقتبس الرسول تكوين 2: 23, مستدلاً على متانة الصلة القوية المكينة الكائنة بين المسيح والكنيسة: "عظم من عظمه ولحم من لحمه" أردفها بالآية التي تليها (تكوين 2: 24) مبيناً الواجب الذي تفرضه هذه الصلة على الرجل: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً". فهي إذاً صلة روحية أقوى من صلة الرَّحِم. على أنه لا يستفاد من قوله: "يترك أباه وأمه" أن يتغاضى الرجل عن واجبه المقدس نحو والديه, لأن الذي لا يعتني بخاصته, ولا سيما أهل بيته هو شر من غير المؤمن".

هذه نفس العبارة التي اتخذها المسيح سلاحاً له, في محاربة بدعة الطلاق التي كانت فاشية بين اليهود منذ أيام موسى, إذا كان الرجل يطلق امرأته إذا وضعت في الطعام ملحاً أكثر مما يجب! أو إذا لم تحسن وضع الغطاء على رأسها, أو إذا لبست ثوباً لا يروقه لونه. فأوصى الله موسى بأن يعطي الرجل امرأته كتاب طلاق, عله يعدل عن فكرة الطلاق قبل أن ينتهي من استيفاء الإجراءات التي يستلزمها كتاب الطلاق. لذلك جابههم الفادي المجيد بهذه الحقيقة الخالدة: "من بدء الخليقة ذكراً وأنثى خلقهما الله. من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً. إذاً ليسا بعد اثنين بل جسد واحد. والذي جمعه الله لا يفرقه إنسان" (مرقس 10: 6- 9).

عدد 32 :

32هَذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ.

ذلك السر العظيم: "هذا السرّ عظيم ولكني أنا أقول"

هذه آية عسرة الفهم, فلا غرابة إذا تباينت فيها آراء المفسرين. ولكي نتبين بعض ما فيها من معانٍ, يجمل بنا أن نسأل هذين السؤالين:

أولاً: ما المراد بكلمة "سر" كما استُعملت هنا؟

إن كلمة "سر" كما وردت في هذه الرسالة (1: 9, 3: 3و 4و 9, 6: 19), قد تعني أمراً من ثلاثة –أو تعني ثلاثتها معاً:

(1)قد تعني أمراً مخفياً عن العامة, فلا تفهمه سوى الخاصة.

(2)قد تشير إلى حق روحي يظل مستوراً عن البشر حتى يأتي وقت إعلانه بالروح (3: 9).

(3)قد ترمي إلى حقيقة عويصة. عسرة الفهم, تحتمل تأويلات كثيرة, وتنطوي على معانٍ أكثر مما يرى منها ظاهرياً.

ثانياً: ما هو هذا "السر" العظيم؟ إنه لواضح من قول الرسول: "ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة" إن هذا "السر" العظيم هو تلك الرابطة الروحية, السرية, الخفية, الكائنة بين المسيح والكنيسة, لدرجة تحسب فيها الكنيسة "عروساً للمسيح" ويحسب أعضاؤها "لحماً من لحمه وعظماً من عظمه".

ويعتقد بعض المفسرين أن "هذا السر العظيم" هو ذلك الرمز الكائن بين الرابطة الزوجية الجسدية, وبين الصلة الروحية الخفية التي بين المسيح والكنيسة.

 

ويميل البعض الآخر, إلى اعتبار هذا "السر" أمراً عسر الفهم, يحتمل تأويلات أكثر كثيراً مما يرى من ظاهره, وأن الرسول قال رأيه فيه بصرف النظر عن القصد الأصلي الذي كان أمام آدم عند نطقه بهذه العبارة. هذا الرأي يؤيده قول الرسول: "ولكنني أنا أقول".

وغير خاف, أن بعض الطوائف اتخذت من هذه الآية أساساً لاعتبار الزواج سراً من الأسرار الكنسية المقدسة. ويكفي أن نقول بهذا الصدد أن ترجمة الآباء اليسوعيين –وهي حجة الكنيسة الكاثوليكية- ترجمت هذه الآية هكذا: "أقول هذا بالنسبة إلى المسيح والكنيسة". وأن كلمة "سر" لم تطلق على الفرائض المقدسة إلا بعد القرن الخامس للميلاد. وأن ابن العسال وضع "الزواج" في باب المعاملات الاجتماعية. ولعل العناية سمحت بتضارب الآراء حول هذا "السر". والسر في ذلك, أن العناية أرادته أن يظل "سراً" حتى يأتي اليوم الذي فيه يعلن الله "السرائر"!

عدد 33 :

33وَأَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هَكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ رَجُلَهَا.

كلمة مجملة- مسك الختام: "وأما أنتم الأفراد...

"وأما"- هذه كلمة استدراك, تصرف ذهن السامع عن البحث في "السر" النظري, إلى العمل بالجوهر. والظاهر أن الرسول شعر بأن كلمته الأخيرة "هذا السر العظيم" ستكون مثاراً للجدل والبحث بين قارئيه على مر الأجيال, لذلك قصد أن يصرف أذهانهم عن البحث في "السر" موجهاً إياها إلى الجانب العملي –كأن يقول لهم: ومهما يكن من أمر هذا السر, يكفيكم أن تعرفوا منه هذا الواجب العملي المزدوج المطلوب من الرجال والنساء.

على الرجل أن يحب امرأته, وعلى المرأة أن تهاب رجلها

فالمحبة هي المهابة خادمة, والمهابة هي المحبة محتشمة.

المحبة هي رمز أمانة الرجل, والمهابة هي رمز طاعة المرأة.

ومن الأهمية بمكان, أن نذكر أن الكلمة: "المترجمة"

 

"تهب", تعني حرفياً "تخف" وهي نفس

الكلمة المعبرة عن مخافة

الله وتقواه

[1] الصلة الكائنة بين المسيح والكنيسة كعريس وعروس, ترجع إلى فكرة نشأت في العهد القديم عن صلة "يهوه" بشعبه إسرائيل. فلما أراد هوشع أن يصور الأمة الإسرائيلية في انحرافها عن عبادة الله, تمثلها في امرأة خانت بعلها. ثم انتقلت هذه الفكرة إلى العهد الجديد فتغلغلت فيه, وبها اختتم سفر الرؤيا.