القائمة الرئيسية

ابحث في الموقع

التسجيل

عدد الزائرين

free counters
 

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 64 زائر متصل
الرئيسية

الفصل الثاني : إيماني بوجود الله

هل الله موجود؟ هذا هو السؤال الذي لم يعرف التاريخ سؤال أهم منه وأعظم وابعد أثرا وخطرا.. أليس هو سؤال العصور كلها، منذ فجر الإنسانية حتى اليوم والى أخر الدهور!؟ .. أليس هو السؤال الملح الضاغط، الذي يضغط على الذهن البشري ويلح عليه إلحاحا قويا عميقا غلابا لا سبيل إلى تجنبه أو تجاهله أو التهرب منه!؟ . بل أليس هو السؤال العبقري الذي قرر وحده، ومازال يقرر على مر الأجيال، مصير البشر جميعا على اختلاف أجناسهم وشعوبهم ومشاربهم ومدى ما بلغوه أو وصلوا إليه من علم ورقي وتقدم وحضارة وثقافة واجتماع !؟ بل أليس هو السؤال المبهج والمربح الذي يهفو إليه النفس وتحن المشاعر ويجد القلب فيه أمل النور والإشراق والبهجة والسعادة والشبع والروي في عالم الأحزان والمآسي والآلام والمتاعب !؟ . بل أليس إلى جانب هذه كلها هو السؤال الجوهري الهام الذي ينبغي الإجابة عليه قبل مناقشة أي نوع من درجات الإيمان، إذ إن الإيمان بالله هو أساس كل إيمان وحجة كل إيمان!؟.

ومن البديهي إن أجوبة الناس على هذا السؤال مهما اختلفت وتباينت لا يمكن أن تخرج عن جواب من ثلاثة. واغلب الظن أن هذه الأجوبة ستظل على الدوام ظاهرة الأجيال والعصور كلها، إذ إن الإيمان ليس للجميع!. فهنا جواب الملحدين أو جواب الذين لا يؤمنون بوجود الله ، وقد تختلف درجات الإلحاد وتتنوع فيما بين ملحد معاند مباه بالحادة  مثل "شلي" الذي كتب مقال اسمه ذات مرة في فنادق منتفارت: "ديمقراطي، محب للإنسانية، ملحدا!" وكأن ما كتب سجل فخر أو مجد أو شرف.إلى ملحد ساخر هازل حائر كعمر الخيام الذي لم يرى في السماء فوقه سوى صحن مقلوب لا يستطيع أن يرفع إليها يدا أو يلتمس عونا. إلى ملحد حزين باك  كماثيو ارنولد الذي اغرق إشعاره بالدموع حزنا على إيمانه الضائع وعقيدته المفقودة. هؤلاء وأمثالهم من القدماء والمحدثين ينعتهم كتاب الله بنعت واحد على اختلاف حظوظهم من العلم والمعرفة أو الجاه أو النفوذ أو السلطان إذ يقول: "قال الجاهل في قلبه ليس اله" (مز14: 1). وذلك لأنهم يستندون في إلحادهم إلى سند سلبي محض، قوامه الإنكار على طول الخط دون مبرر معقول أو حجة واضحة. ولا نعرف أن احد منهم حاول أن يبرر عدم إيمانه تبريرا ايجابيا سليما، كأن يذكر الأدلة المادية أو العلمية أو الوجدانية القاطعة التي ثبتت لديه، التي تؤكد له عدم وجود الله  وتدحض أقوال المؤمنين بهذا الصدد، وتعفيه هو من هذا الإيمان، أو تسيغ له رفضه أو إهماله أو التنكر له! ..

ثانيا – جواب اللا إداريين

إما الجواب  الثاني فهو جواب اللا أدارين، أو الذين وقفوا في الوسط  بين الإلحاد والإيمان، فلم يقطعوا بهذا أو ذاك، أو خرجوا عن لا ونعم  بلا ادري، أو اجبوا على السؤال بالامتناع عن الجواب فكانت مأساتهم إن ازدحمت رؤوسهم  بالشك وعواطف القلق، وإرادتهم بالفوضى، ومبادئهم بالاضطراب، وإذ فقدوا في حياتهم دوافع الإيمان وتأثيره كانوا اقرب إلى الإلحاد منهم إلى الإيمان، واتسمت أعمالهم بالانحدار والتقهقر والفشل، وانحط فيهم كل إحساس ديني أو وازع أدبي ويكفي أن نشير هنا إلى قول ديفيد هيوم: "أن الديانة في كل أبوابها لغز وسر لا يحل، وجل ما نحصل عليه من البحث في هذا الموضوع هو الشك وعدم التأكد والتوقف عن الحكم". وألم تحول اللاإرادية أو الشك هيوم نفسه لا إلى نبذ الديانة  بل إلى نبذ كل حقيقة مادية أو غير مادية على الأرض، إذ اعتقد أن الكون بجملته ما هو إلا صورة خيالية وهمية!.

الحقيقة إن اللاإرادية تسف وتنزل بالإنسان إلى مرتبة الحيوان، وتقتل فيه كل شعور أو إحساس بالامتياز والكرامة والمسئولية، إذ تصنع له من الجهل فضيلة، ومن القصور معرفة، ومن الامتناع عن مواجهة غير المنظور أو المدرك إعفاء من التبعية أو المسئولية.  وذلك غاية ما يصل إليه الإنسان من انحدار وتدهور وسقوط !.

ثانيا جواب المؤمنين

إما الجواب الثالث فهو جواب المؤمنين، أو جواب الذين يقفون ويعلنون إيمانهم بوجود الله، بكل ثقة ويقين ووضوح وثبات، ومع أنهم لا يستطيعوا أن يخضعوا هذا الإيمان للتحليل المادي أو العقلي أو الحسي المجرد، إذ فضلا عن إن الله روح وبالتالي لا يمكن أن يدرك إدراكا ماديا محسوسا عقليا دون أن يناقض هذا طبيعة الله، كما يناقض في الوقت ذاته طبيعة المادة  أو الحس  أو العقل التي ينبغي أن تكون اكبر من ذات الله حتى تستطيع أن تدركه إدراكا كافيا كاملا نهائيا !. الم يقل الرسول بولس : "لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان" (2كو5: 7) . وألم يصف كاتبا الرسالة إلى العبرانيين الإيمان بالقول: "هو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى" (عب11: 1). ومع هذا كله إن جواب المؤمنين إذ يتسلح بالإيمان إلى جاني ما يستخلصه من قرائن مادية أو حسية أو عقلية تدعم هذا الإيمان، إنما يتسلح بما هو اقوي وابعد أثرا من المادة أو الحس أو العقل المجرد. إذ تسلخ كالحقيقة العظمى التي ينبغي أن تتمشى جنبا إلى جنب مع هذه كلها عند استكشاف إسرار الوجود والكون والحياة البشرية! . وإلا فهل أمكن للإنسان إن حقائق ما وراء الطبيعة والجاذبية والمغناطيسية والحياة وما أشبه دون أن يسلم بان هناك مناطق مجهولة فيها لا سبيل إلى ارتيادها. أو التوغل فيها من غير الإيمان!؟ عندما سئل برتراند راسل الفيلسوف الانجليزي  :"هل يفهم تماما النظرية النسبية لاينشتين؟ وهل يسير مع صاحبها الطريق كله؟" . أجاب: "إما عن الشطر الأول من السؤال فلا، وأما عن الشطر الثاني فنعم !! " ويقصد بذلك انه وان كان عاجزا عن إدراك هذه النظرية العظيمة المعقدة إدراكا كاملا. فان ذلك لا يمنعه من متابعة صاحبها والثقة به في منهج تفكيره، ولعل هذا ابرع وأدق لفظ للإيمان المسيحي، الذي وان كنا لا نستطيع سبر أغواره وأعماقه، فان هذا لا يمنع من متابعته والتمشي في أثره.

وإذا كان من المحال على الإنسان أن يصل إلى أخر شوط في طريق الإيمان بوجود الله، فلا اقل من أن يسير في هذه الطريق بعض  الأشواط وسيكشف في سيره  إن أجلا أم عاجلا ما قيل قديما: "إن الفكر  عن الله كالشمس في كبد السماء لا يقدر احد أن يحدق فيها بعنه، وان كان من اليسير أن يرى في ضوءها كل شيء !!" . وها نحن سنقف من بعض  القرائن والبراهين، التي ألقت وما تزال تلقي على مر الأجيال أضواء قوية  باهرة على هذا الإيمان .

1- الإيمان بوجود الله وشهادة الطبيعة

والطبيعة أول وأقدم شاهد على وجود الله ويكفي أن ترفع نظرك إلى فوق. أو تسرح طرفك  في الفضاء الواسع  لتهتف مع داود: "السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه" (مز 19: 1)  وتصيح مع بولس : "لان أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته"  (رو1 :20) وتغني مع ملتون : "بناء هذا الكون بناؤك، وهو عجيب الجمال، فكم أنت في ذاتك عجيب" . وتقول مع جوته: "إن الطبيعة هي النسيج العظيم الذي حاكه الله في منسج الزمن ". وتترنم مع يوناثان ادوارس الذي يعدونه من أعظم العقول التي ظهرت في التاريخ الحديث، إذ رأى الله والمسيح خلف  المخلوقات جميعا فانشد قائلا: "لقد بدأ جلال الله البارع لي في كل شيء، في الشمس وفي القمر والنجوم والطبيعة كلها .. لقد خلق ابن الله الخليقة كلها لهذا الغرض العظيم،  أن يظهر بكيفية ما بواسطتها بعض أمجاده وعظمته، فحين نبتهج بالروض أو النسيم، نرى إحسانه الحلو وجوده الرقيق. وحين نرى الزهرة الفيحاء أو الزنبقة المكتسية بالثلوج نرى محبته وطهارته ونقاوته، وما الأشجار الخضراء والطيور الشادية إلا انبثاق فرحه العميق ورقته النهائية ! .. وما الأنهار البلورية المتدفقة إلا وقع أقدام عطفه ونعمته وجماله! وهل الشمس اللامعة! والشفق الذهبي وقوس قزح الجميل المتألق في السماء إلا بعض الظلال الآتية من مجده وصلاحه؟ .. ولأجل هذا دعي المسيح شمس البر وكوكب الصبح، والظبي، وغفر الأيائل".

اجل إن الطبيعة كلها تتحول إلى هيكل عظيم لمن يحسنون التأمل، وكلنا يصبح وردثورث الذي ألف أن يتمشى في سفوح الجبال كمن يتمشى مع الله في معبد! .. وإلا فهل يمكن للإنسان أن يتأمل فيها دون أن يرى من ورائها الله الخالق المبدع العظيم، الذي هو أصل كل شيء وعلى كل شيء؟ وهل يمكن له أن يرى ما انطوت عليه من بدائع وروائع وسعة ودقة وجمال وعظمة وسؤدد ومجد إلا أن يرى من ورائها مجد الله وحكمته وجماله وقدرته التي تجل عن الوصف ويقصر دونها الإدراك والفهم!؟ . عندما سئل الفلكي لابلاس  لماذا لم يذكر الله في أبحاثه العظيمة في علم الفلك، أجاب انه ليس في حاجة إلى هذا الفرض .. أن الله خلف كل بحث تناوله أو أتاه... ولعلنا نستطيع أن نقول في معنى أوفى وأدق، مما قاله الرجل: إن الله خلف كل ظاهرة في الكون والطبيعة والحياة...

2- الإيمان بوجود الله وشهادة التاريخ

والشاهد الثاني على وجود الله هو التاريخ، وإذا كان التاريخ في عرف الكثيرين ما هو إلا قصص الحياة البشرية  بما تحفل من إحداث وحوادث على مر ومر العصور، فانه في عرف الواقع والحقيقة ليس إلا يد الله الظاهرة والبارزة في الكون وبين الناس، ولعل قول كروميل الذي وصف به التاريخ وهو أبدع وأجمل وصف على وجه الإطلاق، إذ قال :"ليس التاريخ إلا ظهور الله في إسقاط الممالك وإقامتها". وقد لا يرى الكثيرون هذا الظهور إذ تعميهم الحوادث الوقتية التي تمر بالناس،  وتدهمهم بالفواجع والإحزان والماسي والشرور، ولكنهم لو أحسنوا التبصر والتأمل لأدركوا إن الله هناك. وان الشر قد يكسب معاركه الأولى ولكنه يخسر الحرب في النهاية.. قف قليلا على روابي الزمن وتطلع إلى المدنيات والحضارات والأمم والممالك. وهي ترتفع وتعلو، ثم لا تلبس أن تسقط وتغيب، وأنت تهتف مع دانيال: "ليكن اسم الله مباركا من الأزل إلى الأبد، لان له الحكمة والجبروت وهو يغير الأوقات والأزمنة، ويعزل ملوكا وينصب ملوكا" ( دا2: 20 و 21) : اجل، فما وحدة التاريخ، واتجاهه الأدبي، وكونه يعيد نفسه على توالي الأزمنة والحقب. ليس إلا دليلا على وجود الله .. يضاف إلى ذلك انه لم بهمل – إي التاريخ – في يوم من الأيام، في تدوين الحركات الدينية والإيمان القوي بوجود الله الذي صاحب الشعوب والجماعات جيلا اثر جيل !! . وإذا كان هـ. جـ . ويلز، قد إصر في كتابه "مجمل التاريخ"  على أن يبدأ كتّاب التاريخ كتاباتهم، لا بما ألفوا أن يبدؤوا به، بل إلى ما قبل ذلك بكثير ..  إي بالرجوع إلى عصر ما قبل التاريخ والعصور الجيولوجية القديمة. فإننا نصر على ما هو أعمق وابعد من هذا. إذ نطلب أن يرجع هؤلاء الكتّاب إلى ما قبل هذه العصور أيضا. أو في لغة أخرى، أن يرجعوا إلى رب التاريخ وأساسه ومؤسسه ..

3- الإيمان بوجود الله وشهادة العلم

وقد جاء حين على الناس قد ظن فيه البعض أن ازدياد العلم سيهز الإيمان بوجود الله هزا، وان ازدهار المعارف سيضعف من تأثير الدين والروحيات حتما. وما دروا أن هذا الذي يزعمون انه العلم، انه في واقع الحال، إلا ما دعاه الرسول : "مخالفات العلم الكاذب الإثم "(1تي6: 20) وان العلم الصحيح لن يتعارض  والإيمان في شيء، بل أكثر من ذلك سيمده كل يوم بتأيدات  وشهادات جديدة. وليس أدل على ذلك من أقوال العلماء والفلاسفة وجبابرة الفكر في العصور الوسطى.

أقوال عمانوئيل كانت

ألم يقل عمانوئيل كانت : "من المحال علينا أن نتأمل في صنع هذا العالم دون أن نرى يد الله الظاهرة البارزة في كماله واتساقه. وان العقل إذ يفكر ويؤخذ بما فيه من جمال وكمال لا يملك إلا أن يشعر بالسخط العادل على الجهالة الجريئة التي جسرت على أن ترد كل ما فيه من محض الصدفة أو الحظ الحسن. كيف لا وهو لابد أن يكون وليد حكمة عالية عجيبة صاغت فكرته،  وقوة لانهائية حولت هذه الفكرة وأخرجتها إلى عالم الحقيقة والواقع؟ وكل  الأشياء التي توضح هذا الانسجام المتبادل في الطبيعة لابد أن ترجع أخر الأمر إلى وجود واحد منفرد يضمها معه، وهكذا يوجد كائن كل الكائنات والفهم اللانهائي والحكمة الذاتية، الذي أخذت منه الطبيعة كل اتساقها واستمدت وجودها، وليس سمة ما يدعو إلى الظن أن نشاط الطبيعة لا يتفق مع وجود الكائن الأعلى، إذ أن كمال تطورها ونظام واتساق نواميسها يبرهنان برهانا حاسما أكيد على الجوهر الإلهي الذي استمدت منه كيانها ونظامها ..!!

أقوال لورد كلفن

الم يقل لورد كلفن الذي يعد من ابرع العلماء المحدثين في محاضرة  ألقاها في عام 1903 م: " أن العلم يؤكد على يقين وجود القوة الخالقة، فنحن لا نحيا ونتحرك ونوجد بالمادة الميتة بل بالقوة الخالقة والموجهة التي يلزمنا العلم على قبولها كموضوع للإيمان، ولا مفر من قبول هذه النتيجة، ونحن ندرس طبيعة ومحركات المادة الحية والميتة  المحيطة بنا .. إننا نعرف اله عن طريق إعماله فقط، والعلم يلزمنا أن نؤمن بيقين ثابت بقوة موجهة وبتأثير أكثر من مجرد القوى الطبيعية أو المحركة أو الكهربية، وليس هناك من اتفاق بين الإيمان  العلمي المطلق  بقوة خارقة ونظرية تجمع الذرات تجمعا عرضيا! . النظرية التي يجمع العلماء المحدثون على بطلانها فيما يتعلق بالانبثاق والنمو واستمرار الارتباط الذري في الأجسام الحية، إذ يلزمنا الرأي العلمي هنا على قبول فكرة القوة الخالقة. لقد سألت في إحدى المرات "ليبج " من سنوات عدة عندما كنا نسير في الخلاء عما إذا كان يعتقد أن العشب الذي نراه والزهور التي حولنا نمت بمجرد بتفاعل القوى الكيماوية، فأجاب: "كلا !! كما إني لا اقدر أن أؤمن أن كتابا في علم النبات يصف هذا العشب وهذه الزهور يمكن أن يكون فقط وجد من مجرد قوى كيماوية " ..

أقوال الفريد رسل ولاس

وإذا تركنا هذين العالمين إلى عالم يعد من أعظم علماء الدنيا في علم الإحياء ونعني به "الفريد رسل ولاس" نجده يذكر في أبحاثه المعروفة "بالانتخاب الطبيعي" ما يلي: "أن القوة نتاج عقل ومن المحتمل أن كل قوة ما هي إلا قوة إرادية، وإذا كانت الإرادة شيئا، فهي التي تسيطر على سائر القوة المختزنة في الجسد، وليس من المستساغ أو المعقول أن يبدو اثر هذه السيطرة ما لم تكن هناك قوة ما في جزء من أجزاء الجسم العضوي وتباعا لذلك فنحن  إذا رددنا إي قوة ،مهما تكن دقيقة، إلى أصلها في إرادتنا دون أن تكون لنا إي معرفة بسبب أخر رئيسي لهذه القوة، التزامنا أن نصل إلى هذه النتيجة . أن كل قوة ما هي إلا قوة إرادية وان الكون بجملته ليس مجرد تابع فقط، بل هو الله.واقع إرادة عقل اعلي، أو بالأحرى إرادة واحد هو العقل الاسمي " ... وهذه وغيرها من أقوال العلماء والمفكرين تشهد بما لا يدع مجال للشك في جود الله ...

الأسباب السبعة العلمية لإيمان كرسي موريسون

وقد أجمل أ . كرسي موريسون العالم المعاصر والذي كان رئيسا لأعظم أكاديمية في العالم، أكاديمية العلوم بنيورك، الأسباب العلمية السبعة التي تدعو إلى الإيمان بالله، فقال ما ملخصه: "إننا نواجه اليوم فجر عصر علمي وكل ازدياد في النور يلقي أضواء أبهى وأروع على عمل الخالق العلي الحكيم. ومن تسعين عاما أو بالأحرى من أيام داروين إلى ألان –عندما كتب هذا العالم العظيم كتابه – ما تزال الاكتشافات العلمية تتوالى، ونستطيع أن نقول بروح علمية متواضعة إيمان مؤسس على المعرفة إننا نقترب أكثر كثيرا إلى الإحساس بوجود الله، وعن نفسي وجدت سبعة أسباب للإيمان به تعالى:

أولا : إننا نستطيع أن نبرهن بطريقة رياضية ثابتة أن كوننا هذا قد أبدعه وأوجده فكر اسمي عظيم، إذ وضعت في جيبك عشرة قطع فضية بعد أن رقمتها من واد إلى عشرة، وهززتها، وأخرجتها واحدة فواحدة ،فانك من الوجهة الرياضية الخالصة أمام احتمال واحد من عشرة  للحصول على العملة رقم واحد أول مرة، وأمام واحد من مئة للحصول على رقمي واحد واثنين بالتتابع، وهكذا حتى تبلغ أخر الأمر رقما لا يصدق، إذ تكون أمام واحد من عشرة ألاف مليون، للحصول على الأرقام جميعا بالتتابع، وعلى هذا الأساس يمكن قياس الحياة على الأرض،إذ إنها لا تستطيع الوجود والبقاء إلا في جو نظام دقيق، فالأرض تدور حول محورها بسرعة ألف ميل في الساعة ،ولو أنها دارت بسرعة مائة ميل في الساعة لأضحى الليل والنهار عشرة إضعاف ما هما عليه ألان !! ولأحرقت الحرارة النباتات في النهار تباعا لطوال اليوم، ولقتل الجليد الكائنات الحية في الليل الطويل !! ..

يضاف إلى ذلك أن الشمس التي نحيا بحرارتها تبلغ درجة الحرارة على سحها اثنا عشر ألف درجة بقياس فهرنهيت، وان الأرض قائمة في الوضع المناسب المضبوط بالنسبة لهذه الحرارة ودون زيادة أو نقص،  فلو فرضنا أن حرارة الشمس قد هبطت إلى النصف لجمدنا، أو تضاعفت لاحترقنا تبعا لذلك، كما أن انحراف كروية الأرض بمقدار 23 درجة اوجد لنا الفصول،ولو أنها لم تكن منحرفة كذلك لتحركت أبخرة المحيطات شمالا وجنوبا وقذفنا بقارات من الجليد.

ولو أن القمر على بعد خمسين ألف من الأميال بدلا من بعده الحالي مثلا لتعرضنا مرتين للغرق كل يوم، ولتفتت الجبال،  ولو أن قشرة الأرض كانت أكثر من قشرتها الحالية بعشرة أقدام لانعدم الأكسجين،وانعدمت تبعا لذلك الحياة الحيوانية .ولو أن المحيطات كانت أعمق من عمقها الحالي بأقدام قليلة لامتص ثاني أكسيد الكربون والأكسجين وماتت الحياة النباتية. ولو أن الجو المحيط بالأرض كان اقل سمكا لتعرضت الأرض للحرائق في كل مكان بسبب النيازك المتعددة الكثيرة التي تشتعل يوميا في الفضاء !! ..

ثانيا: أن وسائل الحياة في بلوغ أغراضها مظهر واضح لمّاح لحكمة كلية شاملة !! .. ومع أن الحياة في حد ذاتها لا يستطيع احد أن يسبر غرا إذ ليس لها وزن أو قياس، ولكنها مع ذلك تمتلك القوة التي تقدر على تحطيم الصخر، وتقهر الماء والأرض والهواء، وتسود على العناصر وتحلها وتركبها كما تشاء .. أن الحياة هي المثال الذي يصوغ الكائنات الحية  والفنان الذي يرسم كل ورقة في كل شجرة، ويلون كل زهرة، والموسيقي الذي يعلم كل طائر أن يشدو شدوة الحبيب !! كما ويعلم الحشرات أن تنادي بعضها البعض بالإيقاع البديع المفهوم فيما بينها، والكيماوي العظيم الذي يعطي الإثمار والتوابل مذاقها ويعطر الورد،  ويحول الماء وحامض الكربون إلى السكر والخشب، وهو في هذه كلها يوجد الأكسجين اللازم لحياة الحيوان... هل رأيت نقطة البروتوبلازم، المادة الحية التي تكون جميع الكائنات الحية الشفافة المتخثرة التي لا تكاد ترى بالعين المجردة والتي تستطيع الحركة وتأخذ نشاطها من الشمس ،هذه الخلية الصغيرة الدقيقة الشفافة  تحمل في اطوائها جرثومة الحياة، ولها القدرة على توزيع الحياة على الكائنات الحية صغيرها وكبيرها، وهي بقوتها هذه أعظم من النباتات والحيوانات والبشر لان كل الحياة تنبثق منها،والطبيعة لم تخلق الحياة، والصخور البركانية والمياه العذبة !! فمن جاء بها؟ هذا هو السؤال ...

ثالثا: أن حكمة الحيوان تتحدث بكيفية لا تجادل عن الخالق الصالح الذي زود هذه المخلوقات الضعيفة بالغرائز اللازمة لحياتها، فهذا السلمون الصغير الذي يقضي سنوات متعددة في البحار ،ثم يرجع أخر الأمر سابحا، وآخذا طريقه إلى ذات المكان الذي ولد فيه عند روافد النهر،ما الذي أرجعه هكذا إلى مهده الأول؟  بل ما الذي يجعله يشعر  عندما تنقله إلى مكان أخر بالتغيير الذي طرأ عليه في الحال، ويجاهد بكل ما يملك من قوة للرجوع إلى مكانه الأول؟ ودق من ذلك وأصعب لغزا الانكليس (ثعبان الماء) .. هذه المخلوقات العجيبة التي تخرج عند اكتمال نموها ونضوجها من كل البرك والأنهار والبحار في الدنيا لتتجمع عند قطة معينة من الغمر العميق القريب من برمودا، حيث تلد هناك وتموت، ومن العجيب أن أولادها التي ولدت هناك ،مع أنها لا تعرف شيئا سوى أنها في تيه البحار الرهيب، إلا أن كل مجموعة منها، عندما ترحل تأخذ طريها إلى المكان الذي جاء منه إباؤها !! ولذا فالانكليس الأمريكي لا يمكن أن تراه في أوربا، والعكس صحيح .. هذه وأمثالها من حيوانات تسير وراء غرائزها العجيبة الغريبة.. إلا توجّه أفكارنا إلى الله العظيم الذي يقودها جميع؟ ..

 

رابعا: على الإنسان ما هو أكثر من الغريزة الحيوانية، إذ له العقل الذي ينفرد به عن سائر الحيوانات، والثابت انه لم يوجد بعد حيوان واحد قد ترك أثرا يدل على انه له القدرة أن يعد من واحد إلى عشرة.. وإذا كانت الغريزة في الحيوان تباعا لذلك أشبه بالنوتة المنفردة التي تعزف بالة مبسطة كالناي، فان العقل يماثل النوتة الشاملة التي تغنيها مجموعة من الآلات في جوقة موسيقية ولا حاجة لإطالة الحديث في هذا الموضوع.. يكفي أن نشكر على منحة العقل الذي جعلنا أن ندرك إننا نحن على ما نحن عليه لسنا إلا قبسا من نور الحكمة والعقل العام الأعلى !! ..

خامسا: الإمدادات المزودة بها كل الإحياء واضحة ألان في الظاهرة العجيبة التي معروفة للجميع في وقتنا الحاضر، والتي لم يكن يعرفها دارون نفسه، نعني بها عجائب "الموروثات" (الجينات) ،والموروثات كما هو معروف . متناهية الصغر والدقة إلى درجة انك لو جمعت الموجود منها في أجساد الناس الإحياء على ظهر البسيطة، وحصرتها في حيز واحد، لما ملأت بها سم الخياط، ومع ذلك، فإنها تقطن وزميلاتها "الكروموزومات" في خلية واحدة، وتعتبر بمثابة المفاتيح الكلية لحياة الإنسان والحيوان والنبات معا ..!! أن سم الخياط شيء دقيق وصغير لتجمع فيه حياة ألفي مليون، هم جميع الساكنين على الأرض، ومع ذلك فإنها الحقيقة التي لا تنازع أو تجادل !! ثم كيف يمكن أن تحفظ الموروثات في ذاتها خصائص الوراثة المنحدرة من ملايين السالفين، وكيف تصون في أحشائها وطواياها نفسية كل واحد منهم، في مثل هذا الحيز الدقيق الصغير العجيب !! .. اجل فمن هنا تبدى ظاهرة التطور حقا، إذ تبدى في الخلية أو في الكيان الذي يمسك بالموروثات ويحملها جميعا.. وهنا تسال كيف يمكن أن تتجمع ملايين الذرات في كرة دقيقة صغيرة كهذه بالعين المجردة، وتحكم في الوقت ذاته كل حياة على الأرض حكما حاسما نهائيا. كيف يحدث هذا دون أن يكون خلفه عقل جبار خالق !!؟ وهل يمكن تصور احتمال أخر غير هذا !!؟

سادسا: اقتصاديات الطبيعة تلزمنا أن ندرك إن حكمة لا نهائية سبقت فرات واعدت كل شيء في الطبيعة بتدبير بارع. وتحضرنا هنا قصة "التين الشوكي" التي زرعت من سنوات في استراليا، بدافع الرغبة والتحصين الوقائي من الأعاصير وما أشبه، ولما لم تكن الحشرات المعادية لهذا النوع من الأشجار معروفة في هذه البلاد، فقد اخذ الشجر ينمو ويتكاثر من تلقاء ذاته بكيفية مذهلة عجيبة، حتى انه غطى مساحة من الأرض تقرب من مساحة انجلترا طولا وعرضا وافسد بذلك مساحات شاسعة  من الحقول والمزارع، وإذ فشلت كل مقاومة في الحد من نموه وتكاثره، لم يجد العلماء بدا من البحث عن هذه الحشرات التي تعيش فقط على هذه الأشجار، وأطلقوها عليه، وعندئذ توقفت الأشجار عن الانتشار والغزو، وبلك أمكن القضاء على الخطر الداهم الناجم عنها، وهذا التوازن والتعادل بين القوة والمقاومة ظاهرة واضحة بينة في الطبيعة ولا يمكن ا ن يضعها سوى عقل عظيم مدبر !! ..

سابعا: إن حقيقة قدرة الإنسان على تصور فكرة الله، هي ذاتها برهان عظيم فريد على وجوده تعالى، إذ أن تصور الله ينبعث في الإنسان عن طريق ملكة إلهية كامنة فيه، لا يشاطره فيها أي مخلوق على الأرض، وهذه الملكة هي ما اصطلح على تسميتها بملكة الخيال، وبها يستطيع الإنسان والإنسان وحده، تصور ما هو غير منظور، والأفاق المتفتحة أمام هذه الملكة لا نهائية مطلقة الحدود، وبما إن الخيال الإنساني يصبح في سموه واكتماله الحقيقة الروحية في البشر، لذا سهل على المرء أن يرى في دلائل الكون وأغراضه .إن السماء موجودة وقائمة في مكان ما أو بحالة ما، وان الله مالئ لكل زمان ومكان وانه اقرب الكل إلى قلوبنا، وهذا ما يدعونا إلى أن نقول من الوجهة العلمية والتصورية ما قاله المرنم  قديما: "السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه " ..

4- الإيمان بوجود الله وشهادة الوجدان

الوجدان هو الشعور الباطن القوي الكامن في أعماق النفس البشرية، والذي ينفرد به الإنسان عن سائر المخلوقات والكائنات التي تعيش على ظهر الأرض، وقد تحدث هذا الشعور  وما زال يتحدث في كل جيل و كل عصر بلغة لا تغالب أو تناقض عن وجود الله ومهما تختلف ظروف الناس وتتبدل أوضاعهم وأحوالهم وطرق معيشتهم، ومهما يكن حظهم من الجهل أو العلم أو السذاجة أو الإدراك أو الفقر أو الغنى أو الضعة أو الجاه أو ما إلى ذلك مما يفرق بين إنسان وإنسان، فمما لاشك فيه أن وجدانهم الديني ملازم لهم، ولا يمكن أن يمحى أو يتلاشى  ومن الحق أن الوجدان قد يتأثر في بعض المواطن  والظروف فيضعف أو ينام أو يخبو نوره إلى حين ولكن لا يلبث أن ينهض و يستيقظ  ويقوم فيتحول سكونه إلى حركة وهمسة إلى دوي وهجسة  إلى صوت راغب.. والعصور كلها تشهد على انه لم يمت في فرد أو جماعة أو جيل أو يتلاشى تلاشيا كليا، ولعل بعضنا يذكر ول بلوتارك قديما: "تجول في العالم كله فقد تجد مدنا دون عملات أو مدارس أو مسارح، لكن احد لم يرى إلى الآن مدينة دون هيكل للعبادة والصلاة" .ويقصد بذلك أن الإحساس الديني في البشر اقوي وافعل وأكثر تمكنا من سائر أوضاعهم الاقتصادية أو العلمية أو الاجتماعية. إلا يذكر هذا بقول الجامعة الحكيم : "قد رأيت الشغل الذي أعطاه الله لبني البشر ليشتغلوا به صنع الكل حسنا في وقته وأيضا جعل الأبدية في قلبهم التي بلاها لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله من البداية إلى النهاية " (جا3: 10 و11 )

5- الإيمان بوجود الله وشهادة الظهور المباشر

ونعني بالظهور المباشر ذلك الظهور الإلهي المتكرر الذي حدث في العهد القديم لأفراد متعددين ولشعب الله، وقد  صاحب هذا الظهور من الأوضاع والملابسات والقرائن مما جعله فوق متناول أي منازعة أو نقاش أو شك أو جدل، إذ حدّث أول كل شيء مختلفي الطباع والميول والنزعات والأخلاق، فمن اخنوخ وإبراهيم وأيوب واسحق ويعقوب وموسى ويشوع وجدعون ومنوح وداود وسليمان وارميا واشعياء، ومن على غرارهم من الأنبياء والقديسين ورجال الله، إلى فرعون وابيمالك وبلعام ونبوخذ نصر وبيلشاصر ومن على شاكلتهم من الأشرار والعتاة والجبابرة، كما حدث في فترات متباعدة من التاريخ تجاوزت العشرات والمئات إلى الألوف من السني، وأكثر من هذا فقد حدث بكيفيات متعددة وصور مختلفة فمن همس ورؤية في الليل وصفهما  اليفاز التيماني احد أصحاب أيوب بالقول: "ثم إِلَيَّ تَسَلَّلَتْ كَلِمَةٌ فَقَبِلَتْ أُذُنِي مِنْهَا هَمْساً. فِي الْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى اللَّيْلِ عِنْدَ وُقُوعِ سُبَاتٍ عَلَى النَّاسِ 14أَصَابَنِي رُعْبٌ وَرَعْدَةٌ فَرَجَفَتْ كُلُّ عِظَامِي. فَمَرَّتْ رُوحٌ عَلَى وَجْهِي. اقْشَعَرَّ شَعْرُ جَسَدِي. وَلَكِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَنْظَرَهَا. شِبْهٌ قُدَّامَ عَيْنَيَّ. سَمِعْتُ صَوْتاً مُنْخَفِضاً ( أي 4: 12 -16) . إلى صوت ومنظر واضحين في النهار أو قال بلعام بن بعور "وحي الرجل المفتوح العينين وحي الذي يسمع أقوال اله ويعرف معرفة القدير، الذي رأى رؤيا القدير ساقطا وهو مكشوف العينين " (عدد 24: 15 و16) . إلى شركة وحديث مباشر مع إبراهيم وموسى ويشوع ومنوح وجدعون. إلى نار وزلازل وعواصف كما حدث مع شعب الله. إلى نبوات مرعبة وكتابة فوق كلس الحائط كما حدث مع آخاب ونبوخذ نصّر وسنحاريب وبيلشاصر وغيرهم .. هذا الظهور المتكرر الذي حدث لأشخاص كثيرين وفي أوقات مختلفة وبصور متعددة دليل قاطع اسم يضاف إلى غيره من الأدلة على وجود الله!.

6- الإيمان بوجود الله وشهادة التجسد

وإذا كان الظهور المباشر في العهد القديم قد حدث لأشخاص متعددين وفي فترات متقطعة فان التجسد هو دليل الأدلة وسيد البراهين إذ ظهر به الله في المسيح ظهورا واضحا بشريا ملموسا ولم يكن المسيح دعيا إذا نسب لنفسه ا لله من جوهر وسجايا وأعماله إذ شهدت حياته ومعجزاته وأقواله على صحة ما نسب، والإفصاح والمجاهرة به أمام جميع الناس.ويكفي أن نلمّح هنا إلى بعض أقواله وأقوال تلاميذه بهذا الصدد. الم يقل هو : "قبل أن يكون إبراهيم إنا كائن" (يو 8: 58)  ."إنا والأب واحد" (يو10: 30)  ."الذي رآني فقد رأى الآب" (يو14: 9) . وما أوضح من آيات أفصح بها بوضوح عن شخصيته ولاهوته!. الم يقل توما له بعد القيامة : "ربي والهي"  (يو20: 28)  .الم يقل الرسول بولس"الذي إذ كان في صورة الله اخلي نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس" (في2 :6)  ."وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد" (اتي 2 :16)  .وألم يقل يوحنا " في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله" (يو1 :1) . "الذي كان من البدء الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبكم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب  وأظهرت لنا " (1يو 1: 1و2) . ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية " (1يو5: 20 )  .هذه وأمثالها من كثير ما لا يتحدث عن لاهوت المسيح فحسب، بل عن وجود الله الذي اظهر هذا التجسد بأفصح وأجمل أسلوب!.

7- الإيمان بوجود الله وشهادة الكتاب المقدس

والكتاب المقدس شاهد أخر على وجود الله، فهو أولا وأخيرا وقبل كل شيء وبعد كل شيء الكتاب الذي يستمد وجوده من هذا الإله وينتسب إليه ويتحدث عنه بكل إفصاح وإصرار وقوة.وإذا كان "هنري فان ديك" وصفه ذات مرة بالقول: "ليس في العالم كله كتاب أخر كالكتاب المقدس يحفظ لذاته هذه الحيوية الغريبة والأثر المتزايد والإيحاء القوي، فانه لم يعط الممال فقط مثلا جديدا للمدينة ومبادئ جديدة للأخلاق، وأفكار جديدة عن الفضائل وآمال للسعادة ولكنه أعطى أيضا دوافع وصورا للخيال الإنساني، وأبدع الجمال في الآداب، وسائر الفنون الأخرى ولنفرض إننا أخرجنا من العالم أعمال الفن التي تدين بوجودها لله.. كل التماثيل "كداود" لدانتلو و "موسى" لميشيل أنجلو .. والصور "كالسيدة العذراء" لرفائيل " والعائلة المقدسة" لموريلا ... والموسيقى "كالآلام" لباخ "والمسيا" لهاندل  ... والشعر "كالكوميديا الإلهية" لدانتي "والفردوس المفقود " لجون ملتون .. ماذا يبقى للعالم وأي فقر يناله؟ .. إذا كان هذا هو الوصف الصحيح للكتاب المقدس، فمن يكون إذا واضعه ومؤلفه، أو من ألهم كتّابه هذه المبادئ والمثل التي ما تزال الإنسانية تركض وراءها ألاف السنين، والتي يغترف الكتّاب الذين كتبوها بان قسهم أنها ليست من بنات أفكارهم أو من وحي خيالهم !! بل من قوة أعظم من كل يقظة دبت في عقولهم ومشاعرهم !! .. إذ هي قوة الله التي أملت عليهم ما كتبوا أو كما يقول الرسول بولس: "كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملا متأهبا لكل عمل صالح " (2تي3 :16) . أو كما يقول الرسول بطرس: "وعندنا الكلمة النبوية وهي اثبت، التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصب في قلوبكم عالمين هذا أولا أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس (2بط 19: 21 ) يضاف إلى هذا، أن هذا الكتاب هو الكتاب الوحيد في  الأرض  الذي احتاج إلى نيف وألف وخمسمائة عام حتى كتب! ما اترك في كتابته عدد كبير من الشخصيات ذي الميول والنزعات المنوعة، إذ كان بينهم الشاعر والمؤرخ والفيلسوف والكاهن والنبي والرسول والوالي والملك، ومع اختلاف شخصياتهم وتنوع ميولهم وتباعد الأزمنة التي عاشوا فيها فإنهم قد اتفقوا جميعا على الإيمان بالخوارق والمعجزات التي دونت في هذا الكتاب !! .. ومن لمسلم به أن المعجزات تعتبر من الأدلة القوية على وود الله وسيطرة العوالم غير المنظورة على هذا العالم المنظور، وقد قال اسبينوزا الفيلسوف اليهودي الألماني ذات مرة انه لو أتيح له أن يؤمن بمعجزة إقامة العازر من بين الأموات لم نظرياته جميعا، وآمن بالمسيح والمسيحية!! .. ونحسب هنا مبدئيا مع الذين دونوا هذه المعجزات المتعددة الكثيرة، إنها لو دلت على شيء فإنها تدل على وجود الله!! كما أن هؤلاء الكتّاب كانوا يؤمن فيه:ود الله إيمانا بديهيا أساسيا استقر خلف كل كلمة بل كل حرف كنبوة ،ويكفي أن موسى افتح الكتاب بالقول:  "في البدء خلق الله السموات والأرض" (تك1: 1) كما تغنى في مزموره التسعين بالقول: "يارب ملجأ كنت لنا دور فدور من قبل أن تولد الجبال أو أبدعت الأرض  والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله (ز90 :1و2) " . ودون يوحنا قبل أن يتم أخر صفحة فيه : " لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هَذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هَذَا يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هَذِهِ النُّبُوَّةِ يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمِنَ الْمَكْتُوبِ فِي هَذَا الْكِتَابِ. (رؤ22: 18 و19)" .. اجل فالكتاب من الألف إلى الياء يشهد على توالي العصور والأجيال على وجود الله...

8- الإيمان بوجود الله وشهادة الاختبار الشخصي

وآخر ما نختتم به الأدلة والشهادات على وجود الله شهادة الاختبار الشخصي أو شهادة الكثيرين في كل جيل وعصر ممن عاشوا مع الله، واختبروا اختبارات حية ملموسة قوية لا يمكن أن توصف بمجرد التخيلات أو التصورات أو الأوهام.. وإذا كان من الحماقة أن نهمل اختبارات المختبرين في فروع الحياة وميادينها المنوعة لمجرد أن هذه الاختبارات لم تحدث معنا بنصها وفصها، فكم تكون حماقتنا اقسي واشر إذ نهمل اختبارات الألوف والملايين الذين سبقونا أو يعاصروننا، والذين شهدوا إنهم اختبروا الله اختبارات متنوعة لا يرقى إليها شك أو نزاع، وعلى الأخص إذا كان هؤلاء يجزمون على الدوام بأنهم  لم يصلوا إلى هذه الاختبارات لتميزهم أو تفردهم في شيء عن الآخرين، بل لأنهم امنوا بالله ووثقوا به أكثر من غيرهم، وصاروا في طريق إرادته بكل خضوع وتسليم وصبر .. عندما سئل فارادي العالم العظيم الذي تعود إلا يؤمن بشيء قبل درسه وفحصه، عندما سئل وهو في ضجعة الموت عما إذا كان يؤمن حقا بالله والأبدية والخلود، أجاب وقد تألق وجهه بنور وياء: "لست نائما على وسادة تخمينات ".. وهل فراداي إلا واحد من أعلام الفكر وجبابرة العقول الذين كان لهم الله أكثر من مجرد فكر خيالي أو تصور عقلي !! إذ كان هو الحقيقة الكبرى التي امنوا بها واختبروها  وسكنوا إليها وعاشوا معها، وناموا أخر الأمر في أحضانها !! إذ كانت لهم أكثر من وسادة تخمينات !! ترى هل أنت ممن تضمهم القافلة العظيمة المباركة التي تتمشى في ركب العصور والأجيال!!؟